" كان وأخواتها" في طبعة جديدة.
رابط الصفحة :www.mohamed-dahi.net/news.php?action=view&id=117
الكاتب: محمد الداهي


 حرر في الأربعاء 16-06-2010 10:29 أ£أ“أ‡أپ

فهو ، بهذا الصنيع، أراد أن يترك لغة السرد في حلتها الأولى لكونها أقدر من غيرها على استبطان أغوار الذات، وملاحقة الأحلام المغفية والهاربة، والتقاط أحاسيس وانفعالات ومواقف في خضم تفاعلها مع ما جرى في الواقع أو ما يحتمل وقوعه. ولعبد القادر الشاوي مؤلفات كثيرة، نذكر منها ما يهم ،عن كثب، مجال الكتابة عن الذات أو التخييل الذاتي: دليل العنفوان(1989)، الساحة الشرفية(1999)،دليل المدى (2003)، من أقال أنا(2006). وفيما يلي المقدمة التي صدر بها عبد القادر الشاوي الطبعة الجديدة.
******************************
صُودر هذا العمل الذي بين يديك، بناء على قرار ظالم، بعد أسبوع واحد فقط من نشره وتوزيعه من طرف شركة معروفة في بداية عام 1987، ومع ذلك بيع منه، حسب بيانات الشركة الموزعة، أزيد من ألف نسخة كانت، فيما يبدو، كافية لإفشال محاولة يائسة أرادها الرقيب المذموم لحجب متن محبوك حول تجربة فريدة ارتبطت، في تاريخ المغرب الحديث، بحركة سياسية ناشئة أرادت أن تكون، من الحلم إلى الحلم، جذرية وحاسمة في كل شيء، ولكنها أجهضت، بسبب القمع الشرس والنواقص الفظيعة، قبل الأوان الثوري المحلوم به.
وبعد المنع الذي أعقب النشر كان لي أن عشت ظروفا لا أذكر من قسوتها النفسية الآن، بعد مضي أزيد من عقدين من الزمن، إلا ما لم يقدر النسيان على محو ذكراه وتبديد آثاره. وبيان ذلك أن نشر الكتاب، وأنا في تلك التجربة داخل السجن المركزي بالقنيطرة، جعل مَن قرأه من الرفاق الذين عشت بينهم يَعْنف في وجهي بغير قليل من التنكر الجارح لأيام النضال والرفقة... بسبب ما ذكرته فيه من سِيّر وأوضاع، وما ألمحت إليه من حالات وربما أيضا بسبب ما أوردته فيه من تصورات وآراء لعلها كانت تجافي في تقديرهم المنطق النضالي المعتاد في التعامل والنظر. بدا لي، عندما قررت الكتابة، أنني قد أكون واحدا من الشهود المفترضين على غرار ما شهد به، في سياق آخر مع الفارق، كتاب ) الأقدام العارية( على التجربة الناصرية، ولعلي كنت يائسا أو ناقما أو محايدا أو ما لست أدريه الآن عندما عصفت النقاشات الإيديولوجية والسياسية بالجميع، فظهر المنشقون والمنسحبون والمجمدون والمطرودون والحائرون والصامدون والخائنون وأنصاف الخائنين وكاتبو العفو والمشنعون عليهم وتيار العزة النفسية الشامخة... وما لا قبل لمعتقل في تلك التجربة الصامدة الحائرة القلقة على تذكره بشيء من الحياد أو الموضوعية أو الجرأة كذلك... حتى احتقنت الأفهام، بيد أن الجدران العالية كانت على الجميع منعقدة، هذا في الوقت الذي لم تكن فيه تلك الفترة التي تراخى فيها الجميع على شيء كثير من الانهيار الإنساني، الذي تجعله سنوات القمع والحرمان شاهدا على جميع العذابات، قد أقبلت بعد، فاحتلت المسافات المفترضة ما كان من المتوقع أن تحتله في القلوب والعقول... بين باحث عن السلامة النفسية والجسدية، وطالب للحرية العصية على المنال، وكثرة منكسرين كذلك، من مساحات كانت من قبل متشبعة بالمقولات الإيديولوجية العنيدة والضغائن السياسية المستحكمة فضلا عن الأحلام الطوباوية التي كانت تضع التفكير المطلق سيدا على الجميع آمرا وناهيا لا يرد له رأي ولا موقف وإلا انكسر السجن على رؤوس المخالفين.
أذكر، على نحو ما، أنني شرعت في كتابة أولى صفحات هذا الكتاب بالضبط، على سبيل التسلية التي كانت تعني في تلك الأيام طريقة الحائرين من أمثالي في تدبير الوقت الثقيل البطيء، في تلك الفترة السياسية والنفسية القلقة على مشارف بداية العام 1981 . لم تكن دوافعي واضحة، وإن كنت، على الأرجح، أفكر مليا في تقديم شهادة شخصية حول ظروف الاعتقال الشديدة العنف التي كنا نرزح تحت وطأتها. راعيت في الكتابة الأخذ بمنطلق بدا لي واضحا مهما كلفني ذلك، أعني أن أتكلم عن ذاتي غير هياب، وأن أباغت الموضوعيات المفترضة والمدعاة أساسا التي كان يتغنى بها الجميع لأنها كانت، في الواقع، تقتسم معنا أفرشة الزنازن الرطبة. ربما فكرتُ في أحد ما، لا أذكر الآن ملامحه، لعل علاقتي المؤكدة به ما انفكت تحثني، في حالات الوحدة وساعات القنوط، على الكتابة والمضي إلى النهاية بدون تردد. نعم لقد أحسست بكثير من التردد )ات(، وكدت أضع القلم جانبا في كثير من الأحيان خوفا من "الالتباسات" التي قد تنجم عن النشر والتي كان من الممكن لمن يشهرها في وجهي أن تطوقني بالمسؤولية و"الذنوب"، ولكنني، مع ذلك، سرت إلى نهاية الشوط، ربما لأنني، كما أدرك الآن بدون خجل، لم أشارك بالقدر الكافي في حلقات "التطهير الجماعي" الذي كان يمارس في الساحة على أنقاض تجربة سياسية قتلها أصحابها تقويما ونقدا وتعنيفا وسلخا حتى تخلصوا منها، على مراحل، في الوقت الذي أدركت الكهولة معظمهم ولما لم يفارقوا الجدران. لأقل: كانت لي تجربتي التي تطهرتُ بها من جميع التبعات.
ليس من المهم أن يشهد لي أي رفيق بالسبق، ولكن الذين قرأوا الكتاب مخطوطا بعد أن انتهيت منه، أي قبل حوالي ثلاثين سنة أيضا، رأوا فيه كثيرا من الجرأة وما لا يستحسن من السلب: يمكن أن نفهم الجرأة على أنها الخروج البين في تلك المرحلة عن الأوفاق الضمنية التي كانت تجعل الحياة السياسية والجماعية في قطر مرسوم لا نخرح عنه، تعاش على قدر معين من الوئام الممزوج بالصراع والسأم، فلم يكن من الضروري ولا من الوارد، باتفاق غير مكتوب أو بالأحرى مفهوم، أن يعمد عامد إلى نشر غسيل المعتقلين، الغسيل السياسي والذاتي بطبيعة الحال، على ملإ، قليل أو كثير، كان يرانا أنداد طهر ثوري وأرباب صمود قدري ووقود نضال طلائعي. لقد نشرت بعضه على الملإ، فحق أن يرتاب الآخرون في صناعتي، وحق لي أن أتقبل ولو من حيث لا أحتسب وحدتي.
أما السلب فحديثه يطول. في نفسي منذ الأمد البعيد مناطق ظل هي من قبيل الطبع البشري تجعلني لا أفخر بالبطولات بل وأهزأ بالانتصارات. فكيف يا ترى والاعتقال يعتقلنا وأخطاء التجربة تسائلنا والصغائر الإنسانية تطالبنا بالصدق لا أقوم بالتعبير عن طبعي الذي يمتحنني في كل وقت وحين؟. والحق أنني تجاسرت على التجربة الجماعية وعلى ذاتي في نفس الوقت، فكتبت بارتياح ما بدا لي سائغا في طبعي، فكان ما كان مما لست أذكره فًظُنّ خيرا ولا تسل عن الخبر... كما قيل في المأثور من الكلام المنظوم.
مضت سنوات أخرى حين تحررت التجربة من اعتقالنا الانساني لها، إذا جاز التعبير، وتحررنا نحن بدورنا من اعتقالها السياسي لنا، فانبرى جميع السراد الذين كانوا أيامها في طور التكوين لذكر وقائع ما عاشوه بقليل أو كثير من اليقين أو الاستيهام. وقد لا يعنيني الآن ما أفسدته عليهم المسافة الزمنية التي ربما أتلفت في ذاكراتهم كثيرا من الوقائع، هذا إذا لم نفترض أنهم تحاشوا ذكرها لأسباب أو جمّلوها لأسباب أو عدّلوا، بالزيادة أو بالنقصان، من مراتبها لأسباب... لا يهم، حتى أصبح ما قيل فيها بأكثر من لغة، وهذا هو المهم، متداولا لا يثير الاهتمام كأنما المسخ أفقدها الحياة الرهيبة، تجربتنا تلك، التي اقتلت فيها على نيران القمع.
طيب، نماشيك في هذا القول، ولكن ما الداعي، والحالة هذه، لإعادة نشر هذا الكتاب الذي ليس إلا فصلا من فصولها بالتأكيد؟. هنا أوضح ما يلي ولن يحرجني التبرير الذي قد يخالط قولي إطلاقا: يُعاد نشر هذا العمل في طبعة ثالثة، لأنه، فيما أُقدر له، أول كتاب حي يصدر باللغة العربية عن تجربة لم تكن بعد إلا في طور التكوين بأحد معاني القول، الأمر الذي يدل على شيئين اثنين: الدلالة الأولى على أن الكاتب كان أيامها في السجن المركزي إلى جانب باقي الرفاق، ولا فضل له في تلك التجربة وعليها إلا أنه التقط ضرورة الكتابة فكتب، واختار شيئا ما من التعرية فتعرت أوهامه بها قبل أوهام غيره. أما الدلالة الثانية فهي الرامزة إلى نوع من التحدي الذي لولا مساعدة بعض الأصدقاء الخلص الذين أبلوا في نشر الكتاب وتحملوا تبعات المساءلة لما كان له أي أثر يذكر فأحرى أن يدل، أقصد التحدي، على موقف رامز في فترة كانت فيها المواقف عزيزة كريمة. إنني مدين لهم جميعا وللوعي الشقي الذي سخّرني للكتابة بآيات الشكر والاعتبار.
لم أُبدّل حرفا في هذا الكتاب، وقد يقول قارئ عند الفراغ منه إنه لم يعد يشبه صاحبه، وقد أقول بدوري، إذا ما داريت طراوته وحرارته وقوته المعنوية المندفعة في القول، أنني لم أعد أجد، بعد أن غيرتني السنون، نفسي فيه. ولكنني أفهم أن كلينا، القاري والكاتب معا، لا نملك أي حق لمصادرة أي من المكونات الثلاثة: التجربة السياسية، الماضي التاريخي، واللغة الأدبية التي اصطنعتها لسرد الوقائع.
... وهذه المكونات، التي قد تكون مبرراتي الخاصة، هي ما قد يشفع لصدور هذه الطبعة الجديدة.

 


 




     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009