الرسالة الإشهارية-محمد الداهي
رابط الصفحة :www.mohamed-dahi.net/news.php?action=view&id=225
الكاتب: محمد الداهي


 حرر في الجمعة 07-01-2011 09:34 أ£أ“أ‡أپ


يعرف الإشهار-من بين تعاريف أخرى- بأنه " سلاح تجاري لخدمة الاستراتجية التجارية الهجومية للمقاولة في الحرب الاقتصادية لغزو الأسواق"(1). يتضح من خلال هذا التعريف أن الإشهار حرب تشنها المقاولة لهزم خصومها، وترسيخ صور علاماتها في أذهان المستهلكين، واكتساح الأسواق لبيع منتوجاتها.
وإن حرص المشهرون- في غالب الأحيان- على تقديم صور مثالية عما يعرضونه من منتوحات، فحديثهم لا يكاد يخلو من التلميح إلى وظيفة الصراع التجاري. ومن بين العبارات التي يتداولونها نذكر أساسا ما يلي: ربح الرهان أو خسرانه، ممارسة الضغط على الموزعين، جلب الزبناء، إحباط خطط الخصوم، اكتساح السوق، نهج استراتجية منظمة..الخ. ما يهم المشهرون بالدرجة الأولى هو حفز المستهلك على فعل الشراء، وتوجيه أنظاره إلى المنتوج، وترسيخ في ذهنه قوالب العلامــة stéréotypes de la marque .
وقد يدخل المشهرون -أحيانا-في حرب مباشرة، توظف فيها الأسلحة المناسبة ليس فقط لإحباط خطط الخصم، وإنما لدحره والقضاء عليه. وهذا ما نستسف جانبا منه في الوصلة الإشهارية الموسومة ب " جوال التحدي"، بحيث وظفت اتصالات المغرب موضوعا حربيا لإبراز عيوب المقاولة المنافسة بطريقة موحية وغير صريحة. ومن خلال هذه الوصلة يتبين أن المشهر استعار لتعبئة جوال صفات القوة والانتصار والتحمل، ونعت تعبئة الطرف المنافس بالضعف والهزيمة وعدم الصمود. ولم تمض إلا أيام قليلة على بث الوصلة الإشهارية في القناة الأولى القناة الثانية حتى اضطرت ميدتيل -بوصفها الطرف المعني والمنافس الوحيد لاتصالات المغرب في مجال الخدمات الخاصة بالهاتف المتنقل - إلى إصدار بلاغ صحفي ذي "لهجة قوية"(2) لتذكير الرأي العام بجودة خدماتها، وبيان مدى احترامها لزبنائها وزبناء منافسها، والرد على مزاعم الوصلة الإشهارية . ومهما بلغت الحرب أشدها بين المشهرين، فلا ينبغي أن تنزاح عن أخلاقية المهنة التي تقتضي عدم المقارنة بين منتوجين متنافسين لتضليل المستهلك، وعدم ذكر سلبيات المنتوج الآخر بطريقة صريحة وعلنية.
لا ينطلق المشهرون من فراغ بل من ممارسات إشهارية
غالبا من تختزل في أربعة اتجاهات، وهي الإشهار الإقناعي، والإشهار الميكانيكي، والإشهار الإيحائي، والإشهار الإسقاطي(3 ).
1-الإشهار الإقناعي Publicité persuasive ( الإقناع convaincre): يتعامل المشهرون في هذا النوع من الإشهار مع المستهلك بوصفه كائنا عاقلا وواعيا، فهو لا يتخذ قرار الشراء إلا بعد تحليل موضوعي لمزايا المنتوج ونقائصه، واستجابته لدوافع نفسية وضغوط اجتماعية. وهذا ما يستدعي من المشهرين التعريف بمحاسن المنتوج والبرهنة على ملاءمته وفعاليته.
2-الإشهار الميكانيكي Publicité mécanique ( المطرقة matraquer): يضرب الإشهاريون بقوة لإثارة المستهلك، وسلب قوته وإرادته، وإيهامه بحرية الاختيار، ويتعاملون مع قراره كما لوكان تفسيرا ميكانكيا نسبيا، واستجابة لحوافز معينة.
3-الإشهار الإيحائي Publicité suggestive ( الإغراء séduirt). يثير هذا النوع من الإشهار لدى المستهلك المحتمل الرغبة في تخزين معلوماته أو تدريبه على فعل الشراء كلما انتابته حاجة ملحة. فهولا يركز على سلوكه(comportement)، وإنما على تصرفه(conduite) إزاء وضعية ما وقدرته على التكيف معها.
4-الإشهار الإسقاطي Publicité projective ( التثمين valoriser). يعد هذا النوع من الإشهار عاملا ثقافيا لتغيير نمط عيش المستهلك ونماذجه الثقافية، ونقل قواعد جديدة للمشاركة والاندماج والمثاقفة. ويصبح الاستهلاك -بمقتضاه- طريقة للاندماج الاجتماعي، وتحديد هوية الشخص في محيطه"(4).
إن هذه النماذج من التأثير تتكامل فيما بينها وتتداخل لإثارة المستهلك وحفزه على شراء البضاعة المعروضة عليه. ويركز المشهرون على البعد الرمزي الذي يعتبر فعل الشراء علامة على الاندماج الاجتماعي وتعبيرا عن صورة اجتماعية مثمنة valorisée. وهذا ما يجعل من الإشهار مؤسسة بيداغوجية تبث قيما ونماذج ثقافية جديدة، وتسعى إلى تغيير ذهنية المستهلك وعاداته.
تتكون الرسالة الإشهارية من جانبين، وهما:
1-الجانب الإخباري Aspect informatif: يتلقى المستهلك هذا الجانب بوعي، ويتعامل معه بكامل قواه العقلية. يجد فيه "عالما مثاليا مطهرا من أية مأساة، خال من أي مجتمع متخلف أو انفجار ديمغرافي، من أية قنبلة ذرية أو حرب في الفيتنام. إنه عالم بريئ مزدان بالابتسامات والأنوار"(5).
2-الجانب الإيحائي Aspect suggestif: يتكون هذا الجانب من التمثلات والرموز، ويحظى بأهمية المشهرين لأنه يخاطب لاشعور المستهلك ويثير مشاعره وأهواءه، ويرضي حاجاته ودوافعه. فالمستهلك لا يشتري المنتوج في حد ذاته، وإنما ما يرمز إليه من قيم ( على نحو الطمأنينة والصحة والتفتح والشباب) وما يحققه من مكاسب معنوية ( التميز، الترقي الاجتماعي، الأبهة..).
وفيما يلي نورد ما يوحي به هذا الجانب سعيا إلى تغيير تصرفات المستهلك ونمط عيشه، وحفزه على تقبل نماذج وقوالب ثقافية جديدة:
ا- تشحن الرسالة الإشهارية بموحيات دالة تثير أحلام المستهلك. فهو لا يشتري المنتوجات، وإنما ما تحمله من أحلام. ولهذا يختار نوع السيارة التي تعطي انطباعا حسنا عن ذاته، وتجعله يشعر بالأبهة والتميز الاجتماعي. ولا يشري الشقة، بل ما ترمز إليه من الاستقرار والطمأنينة والسكينة والتميز الاجتماعي.
ب-يوظف المشهرون في الرسالة الإشهارية القيم المشتركة التي وتدغدغ أفئدة الناس على اختلاف أعمارهم ومشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية. وتتشخص هذه القيم في شكل موضوعات كبرى macro-thémes يجد فيها كل مستهلك ذاته وينسج معها علاقة حميمة حتى وإن كان- في المقام الأول- غير مستهدف. ومن بين هذه القيم نذكر أساسا : الوفرة، النجاح، السعادة، الشباب، التقدم.
ج-وإن كان المستهلك وفيا لقيمه ونماذجه الثقافية، فإن المشهرين يضعونه في وضعيات جديدة، ويستدرجونه بأساليب الإقناع والإمتاع لمواجهتها مستخدما تصرفات ومواقف جديدة. يتوخى المشهرون من هذه العملية خلخلة نماذجه الثقافية، وتهييأه لتقبل تثلاث وترسيمات ثقافية جديدة، وذلك حتى تصبح صورة العلامة امتدادا لصورة ذاته، والعكس صحيح. وهكذا يتخذ الإشهار طابعا معياريا لكونه " يعرض ويفرض قائمة جديدة للقيم، وأسلوبا للعيش، ونماذج للسلوكات. يبرز لأغنياء الجدد في الحضارة الغربية الحديثة كيف ينبغي أن نلبس أو ننضو اللباس، وكيف نعمل ونمزح، وكيف يمكن أن نبقى دوما شبابا ومحبوبين وسعداء" (6).
د- يعزز الإشهار الصورة على حساب الواقع إن لم نقل أنها تتحول إلى واقع متعال hyperréalité . وهكذا " يفقد الأبطال تدريجيا استقرارهم في الواقع لأنهم أصبحوا أيقونات مجردة"(7). فشخصية لاعب كرة القدم المتألق تنمحي لتحل محلها الأسطورة التي كونها الرأي العام عنه. وتحمل معها هذه الأسطورة قيما تخدم مصلحة المشهرين، وتعزز صورة العلامة في أفئدة ملايين من المستهلكين. لا يضيف الإشهار أية قيمة مضافة للمنتوج في حد ذاته لأنه ذو طبيعة رمزية. وتباع العلامة في السوق ليس حسب المميزات المادية للمنتوج، وإنما حسب الصورة التي كونها المستهلك عنها.
الهوامش:
1-Louis Quesnel ," La publicité et sa "philosophie » in communication n°17, 1971, Seuil, p58.
2-صدر هذا البلاغ في 8مارس 2004.
3-Bernard Cathelat , Publicité et société, Payot,1987, pp 106-122.
4-ibid p269.
5-Louis Quesnel ," La publicité et sa "philosophie » in communication, op.cit p61.
6--ibid pp 61-62.
7-Nicolas Riou, Pub Fiction société postmoderne et nouvelle tendances publicitaires, Editions d'organisation, 2001, p122.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 






     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009