رحل وما رحل عنا.. د.محمد الداهي
رابط الصفحة :www.mohamed-dahi.net/news.php?action=view&id=439
الكاتب: محمد الداهي


 حرر في الجمعة 24-01-2014 10:51 أ£أ“أ‡أپ

أيها الحضور الكريم
عائلة الفقيد الموقرة
أشارككم، في هذا المحفل الرهيب والحزين، بإلقاء كلمة مقتضبة قد لا تفي بحق الرجل وقيمته ، لكنها تجسد ما أكنه له من محبة وتقدير بالغين بالنظر إلى طبعه الإنساني الرحب ومساره المهني والعلمي الثري.
كان للأخ المفضال محمد البوبكري الفضل في اقتراح اسمي على الراحل المشمول برحمته عبد الله الأشقر لما كان مديرا لمركز تكوين المفتشين لتدريس مادة ديداكتيك اللغة العربية. وخلال المدة التي كنت أتردد فيها على المركز توطدت علاقتي بعبدالله الأشقر.. وهو ما غمرني بابتهاج صادق واعتزاز فائق، وحفزني على التوفيق بحماس وفاعلية بين المسعيين العلمي والديداكتيكي.
كلما دخلت إلى مكتبه أو التقيته صدفة داخل المركز أو خارجه لم تكن البسمة تفارق محياه، وظلت مشرقة وصامدة إلى أن أسلم روحه إلى باريها. وعلى مدى أعوام لمست نبل خصاله، ورائق مزاجه، وسعة صدره، وكبير تواضعه، وفائق أناته. كما كان، علاوة على ذلك، قليل الكلام، صادق الخلال، شديد العزم يتحرى المبرة ويسعى إلى المسرة في حرص دائم على التعايش والتسامح والتحاور.
كان يداوم على قراءة الكتب والدوريات البيداغوجية سعيا إلى مواكبة المستحدثات واستنباط فوائدها. ومما لفت نظري أنه كان منكبا على ترجمة عينة من الدراسات البيداغوجية القيمة في صمت وبعيدا عن الأضواء. وهو ما جعلني أحفزه أكثر من مرة على نشر ترجماته ثم جمعها في كتاب . وفي هذا السياق سلمني ترجمتين دفعة واحدة، ووعدني بموافاتي بترجمات أخرى حالما ينتهي من تصحيحها وتنقيحها. وباشر الاتصال بالأستاذ عبد الكريم غريب للاتفاق معه حول تدابير نشر الكتاب ضمن منشورات مجلة عالم التربية.
اتصل بي يوما ليطمئنني عن أحواله الصحية ويخبرني بأنه مازال منهمكا في مشروع الترجمة. وفاه الأجل المحتوم دون أن يحقق أمنية من أمنياته الهاربة. ولهذا ارتأيت في تأبين روحه الطاهرة والزكية أن أعود إلى  الأرشيف  لتحيين ما خصني به مقدرا واجب الاحتفاظ به والائتمان عليه. ومن ضمنه أذكر:
-مقدمة مركزة وموحية لكتاب  بيداغوجي لم ير النور لبواعث متعددة. ومازلت أحتفظ بالمخطوط لحد الآن.
- وحوارا أجريته معه (واقع التجديد التربوي وآفاقه)، ونشر تباعا في جزأين بجريدة الاتحاد الأسبوعي. العددان 60 و62 ، 30 ماي/5 يونوي 2003، 6/12 يونيو 2003. ص27. ورغم مضي سنوات على نشره مازال محافظا على راهنتيه بحكم دقيق نظر صاحبه وبعيد بصره، ومراكمته للخبرة الإدارية والبيداغوجية بما يوزاي كفايته ويساوي جدارته.
-وترجمتين قيمتين تنمان عن سعة اطلاعه، ونصاعة بيانه، وصفاء ذهنه. إحداهما (التجديد في التربية والتكوين لفرنسواز كروس Françoise Cros) نشرت في جزأين بجريدة الاتحاد الاشتراكي ، الأربعاء 27 أبريل 2005 ، ثم الأربعاء 4 ماي 2005 العدد 7927. وثانيتهما تهم "إصلاح خدمات الأشراف التربوي أنطون دو كرو  Anton De Grauwe ".  وهي تستعرض أهم نماذج التفتيش مبينة مزاياها ومساوئها ساعية إلى إيجاد النموذج الأفضل  ليؤدي دوره ورسالته على الوجه المطلوب.
وشريط محاضرة ألقاها الراحل حول رهانات ميثاق التربية والتكوين على هامش الأسبوع الثقافي الذي نظمته الفعاليات الثقافية بالمؤسسات التعليمية في مدينة وزان من 17 إلى 22 أبريل 2000.
هناك خيط ناظم في كل ما كتبه الراحل. أعطى أهمية قصوى للتقويم باعتباره أداة لتعرف مكامن تعثر المنظومة التربوية وخللها، ثم التدخل لتصحيحها واقتراح البدائل الممكنة لها. لم يكن مهموما بالجانب التقنوي للتقويم وإنما بطابعه الشمولي والنسقي لكونه يمثل مدخلا من مداخل الإصلاح والتجديد البيداغوجييْن. وكان له الفضل في الدعوة إلى إنشاء وكالة وطنية للتقييم . ومشروعها الآن على أنظار السادة النواب لمناقشة بنوده ثم المصادقة عليه.
إن وفاته مبكرا خسارة كبرى..افتقدنا فيه رجلا صادقا ومخلصا وودودا يعين على المطلوب ويساعد على المرغوب...وافتقدنا فيه أيضا باحثا رصينا وصموتا كان من الممكن، لو توافرت الشروط والأجواء المناسبة، أن يسهم بخبرته وجهده في إرساء دعامات الإصلاح التربوي المنشود.
لقد رحل وما رحل عنا..فهو حي بيننا بعطائه الشامخ، وكريم فضائله، وصالح أعماله.
إنا لله وإنا إليه راجعون



     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009