x
اخر ألاخبار    الحداثة واقع اجتماعي ومنهج نقدي : حوار أجراه محمد الداهي       Hommage à Mohammed Berrada : Mhamed Dahi       تقديم كتاب " التفاعل الفني والأدبي في الشعر الرقمي" ، د.محمد الداهي       معابر الوهم .. محمد غرناط       النغمة المواكبة .. كتاب جماعي محكم عن المفكر والروائي عبدالله العروي       لكل بداية دهشتها، محمد الداهي       بصمة الباحث الناقد أحمد اليبوري في الأدب المغربي المعاصر       استراتيجيات الحوار بين التفاعل والإقصاء في كتاب " صورة الآنا والأخر في السرد" لمحمد الداهي       العدد93 من مجلة " كتابات معاصرة"       مغامرة الرواية تطلعا إلى المواطنة التخييلية- د. محمد الداهي    
ملامح المشروع النقدي للباحث الناقد محمد مفتاح-د.محمد الداهي

يصعب أن نتناول أي مؤلف للأستاذ محمد مفتاح ونتدبر معانيه، ونكشف عن خلفياته المعرفي دون النظر إليه بوصفه حلقة مردوفة وموصولة بحلقات أخرى تشكل ، في مجملها، مشروعا متكاملا ومتجانسا.

يصعب أن نتناول أي مؤلف للأستاذ محمد مفتاح ونتدبر معانيه، ونكشف عن خلفياته المعرفي دون النظر إليه بوصفه حلقة مردوفة وموصولة بحلقات أخرى تشكل ، في مجملها، مشروعا متكاملا ومتجانسا.وما حفزنا على ذلك هو أن محمد مفتاح استطاع خلال ما يربو على ثلاثة عقود من الممارسة النقدية والبحث الجاد أن ينتج نسقا معرفيا متكامل ومتضافر العناصر ومشيدا على قاعدة ابستمولوجية متينة. وبتتبعنا لما يكتبه الأستاذ مفتاح، نجده يتجه على المستوى العمودي والتطوري من التعدد المنهجي إلى تشريح المفاهيم ونحتها مرورا بنسقية الثقافة.ما على المستوى الأفقي والتزامني فإن عناصره تتداخل في علائق متلاحمة، وأنساقه المعرفية والمنهجية تتقاطع في بنيات متراصة تستدعي، من جهة، معطيات جديدة تفرضها طبيعة الخطاب المعاين والتطورات المعرفية السريعة التي مست في الجوهر مفهوم النص بصفة خاصة ومفهوم الأدب بصفة عامة؛ وتهدف، من جهة ثانية، إلى بلورة تصور منهجي شامل وملائم يسعف على تحليل الخطاب الشعري العربي على وجه الخصوص
I- التعددية المنهجية:
تضرب التعددية المنهجية بجذورها في كتاب في سيماء الشعر القديم(1982) الذي أكب على نونية أبي البقاء الرندي.واعتمد فيه الأستاذ مفتاح على أربعة مناهج : الشعرية بشقيها العربي والغربي ،والسيميائية، والتداولية ، والفيلولوجية. وما يلفت النظر في هذا الكتاب أن صاحبه اتبع القراءة الموازنة التي تتعامل مع القصيدة بمنظار الشعرية العربية ومقاييسها، وتستثمر أراء المحدثين الذين قوموا ما في بعض أراء القدامى من خروج على جادة الصواب ، وتنفتح على الإسهامات الغربية التي تقدم إضاءات جديدة ومفيدة حول بنية الخطاب الشعري.كما نهج القراءة الكلية التي تنظر إلى جميع العناصر والمستويات في تضافرها وتفاعلها.
عمق الأستاذ محمد مفتاح في تحليل الخطاب الشعري (إستراتجية التناص) (1985) تصوره للتعددية المنهجية التي يمليها تعقد النص وحفوله بمستويات متنوعة ومتباينة. ورغم أهمية النظرة الأحادية من حيث تجانس مفاهيمها، وقدرتها على معالجة مستوى من المستويات النصية بنوع من الاستقصاء وبمزيد من الدقة؛ فإ نها تعجز عن مقاربة النص في شموليته وعن إضاءة المستويات الأخرى واستيعابها. يعي محمد مفتاح مدى خطورة الانتقائية والتلفيقية في التعامل مع نظريات مختلفة والمتح منها؛لذا يتحصن بالأسئلة الابستمولوجية لمعرفة الظرفية التاريخية والابستمية التي ظهرت فيها النظريات ولتمييز ثوابتها من متغيراتها وللامساك بالعناصر الجوهرية والملائمة القابلة للتشغيل والتطوير والتوسيع والقادرة على الإسهام في بلورة وصياغة نظرية شاملة. استند محمد مفتاح في تحليل الخطاب الشعري إلى مناهج متعددة (النظريات اللسنية ، التيار السيميائي ،الشعرية) مشيدة على الصرح اللسني -السيميائي.فقام في البدء بالتعريف بها والكشف عن الخلفيات الابستمولوجية المتحكمة فيها،ثم نهض بمساءلتها للتغلب على المحرجات والعوائق الابستمولوجية وللتمكن من فرز العناصر الصالحة لاستثمارها في إطار بناء منسجم. فابتدر عرض ثلاثة مواقف تحكمت في تعامله مع مادة التأليف سواء أكان عربيا أم غربيا. مبتدئا بما ثبت الاجماع حوله( على نحو المقاطع ونبر الكلمات وبعض أمثلة النظرية الجشتالية والموجهات)،ومثنيا بمناقشة النموذج لتدارك نقائصه وإعادة تصنيفه بالإضافة أو الحذف (مثل الأفعال الكلامية ، ونموذج كريماص)، ومثلثا بإعادة صياغة المشاكل وبتوسيع المفاهيم الإجرائية مما يترتب عليه بنيات جديدة ( مثل التشاكل، واللعب، والتناص، والتفاعل).لقد قربته النظرية الكلية الجامعة بين اللسانيات الوضعية والذاتية المستغلة لكل معطيات النص من إدراك خصوصية النص الأدبي ،ومن التوقف عند الأسباب التي جعلتها تهتم بالمعطيات القابلة للإحصاء والتكميم فقط؛وهو ما فوت عليها التعمق في المعطيات النغمية( التنغيم والنبر والإيقاع) والمجاز( الاستعارة والكناية والمجاز المرسل).وقبل انتقال محمد مفتاح إلى تحليل رائية ابن عبدون، عرف بالعناصر التي سيعتمد عليها مدخلا على بعضها إضافات نوعية ومانحا إياها أوضاعا اعتبارية جديدة. واستطاع إن يقدم تصورا شموليا للنص الأدبي بالاعتماد على المنجزات الغربية المفيدة وبرد الاعتبار إلى بعض المفاهيم التراثية وبالتحلي بالجرأة العلمية وبحصافة الاجتهاد. وفي كل ذلك كان يعي تمام الوعي بضرورة احتواء المفاهيم ومساءلتها وتطويعها وفق متطلبات الظرفية التاريخية والتطلعات إلى التحديث. يمكن أن يستخدم ذلك التصور الشمولي بوصفه نموذجا قادرا على دراسة كل أنواع الخطاب واستيعاب جميع المقاربات الأدبية،و قابلا للتطوير والاستكمال بحسب خصوصية النص وبحسب التراكمات المعرفية السريعة. ويقوم هذا النموذج على محورين (أفقي وعمودي) قابلين لاستيعاب بعض العناصر الجديدة ولتغيير مواقع بعضها والاستغناء عنها.ويعرض محمد مفتاح تصوره لهذا النموذج على النحو التالي:"استقينا عناصره من بنية شديدة التعقيد وهي الشعر، فأنواع الخطاب الأخرى غير المعقدة مثل النحو والفلسفة والفقه...وما شاكلها من ضروب الخطاب"العلمية" لا يعار فيها الاهتمام للعنصر الصوتي، ولكن المعجم واسترسال المعنى وخطيته ومنطقية التركيب تكون هي الأساس. ومعنى هذا أن العناصر الأفقية تختلف نسبة وجودها في فنون الخطاب، لأنها محكومة بالمحور العمودي(المقصدية -المجتمعية) أي أن المتكلم وحالاته العقلية المشعور بها(الرغبات والمعتقدات) وغير المشعور بها( النرفزة والاكتئاب اللامباشرين)، ومحيطه العام يوجهان فعله وعمله الكلاميين....وهكذا فان العملية الكلامية بمختلف وظائفها تعكس مواقف الذات وأفعالها وحالاتها العقلية وتمثل في الوقت نفسه العلاقات الإنسانية المتفاعلة"ص169.
حافظ محمد مفتاح في دينامية النص(1987) على نفس المنطلقات المنهجية(التعدد المبني على النظرة الوضعية والذاتية)والابستمولوجية( مساءلة النظريات المعتمدة) التي تحكمت في الكتاب الآنف الذكر.لكنه غير زاوية النظر(البرهنة على دينامية النص) في التوليف والمواءمة بين مختلف المناهج المعتمدة، وفي رصد ثوابتها الجوهرية( استثمار معطيات بيولوجية النص وعلم الرياضيات و النزعة العلمية التجريبية المحضة)؛ ووسع المتن ليشمل - علاوة على النص الشعري -النص القرآني و النص القصصي والنص الصوفي .أوضح في البدء الأسس الابستمولوجية والعلمية للاتجاهات التي اكتسحتها النظرية البيولوجية وهي في حلتها الجديدة المستعارة من ابستمية المنتصف الثاني للقرن العشري.ورصد تجليات المؤشر البيولوجي المشترك في النظرية السيميائية والنظرية الكارثية ونظرية الشكل الهندسي ونظرية الحرمان ونظرية الذكاء الاصطناعي ونظرية التواصل والعمل، وبين الأسس الابستمولوجية الكامنة وراء توظيفه، والمتحكمة في كل نظرية على حدة؛ بحيث أرجعها إلى "أساسها العقلاني الذي تمتد ركائزه - على الأقل - إلى فلسفة كانط ، وافقها الوصف الظاهراتي الواقعي:تنطلق من ظاهر الواقع إلى اكتشاف ماهية البنية المتجذرة في الفكر الإنساني والمحددة بيولوجيا"ص34.وان اختلفت هذه النظريات من حيث منطلقاتها ومبادئها ، فهي تتفق في خضوعها لعاملين أساسيين: عامل اقتصادي يبين فعالية الآلة،ويحض على تأنيس الإنسان بها والتحكم فيها ، وعامل سياسي يتغيا الكشف عن آليات الإنسان البيولوجية واللسانية للتنبؤ بغيب بمكنون سلوكه أو خلقه.
استخلص محمد مفتاح ثوابت هيمنت على أصحاب تلك النظريات جميعا في النظر إلى اللغة أوالى تحليل النص(المقصدية، الفضاء /الزمان،إعادة الإنتاج/الإبداع،الهيمنة/ الجدال، المشابهة/ التفرد، الظهور/الكينونة).وقبل الانخراط في التحليل عمد إلى الكشف عن المفاهيم الجوهرية(النمو،والحوار، والصراع) والمفاهيم الفرعية ( المقصدية،والتفاعل، والمعرفة الخلفية المشتركة، والفضاء/الزمان) التي انبنت عليها تحليلات الكتاب؛وطرح جملة من الأسئلة النقدية والمعرفية حول مدى انسجام ذلك اللبوس المعرفي على قيس الثقافة العربية الإسلامية ذات الخصوصية المتميزة،واظهر عالمية وإنسانية تلك النظريات وأهمية التناسل الذاتي والثوابت النفسية والذاكرية والتفاعلية والفضائية -الزمنية في وجود النص وتفريده من حيث الغرض الكلامي ومن حيث تعبيره عن الهوية والخصوصية العربية الإسلامية، وعليه استنتج ما يلي:" بهذا المنظور يمكن أن نوفق بين المكتسبات العلمية العالمية ليصير لنا علم للنصوص ،وبين الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثقافة القومية وتفرد النص وتميزه داخل الثقافة وداخل الجنس الأدبي نفسه" ص45. ونعاين في دينامية النص إعادة كتابة ترسيمة النموذج الذي سبق أن أشرنا إليه،إذ تمت إضافة عناصر إلى المحور العمودي على نحو التفاعل والتملك وعناصر أخرى إلى المحور الأفقي على غرار التوليد والتحويل والانسجام والزمان-الفضاء." على إن هذه المفاهيم جميعها هي عمودية بالنسبة إلى عناصر الخطاب الشعري التي هي : الأصوات، والمعجم، والتركيب، والمعنى والتداول. ولكن هذه العناصر ليست خاصة بالخطاب الشعري إذ كل خطاب يحتوي عليها، ولهذا ، فإننا ملزمون بإنجاز عملية فرز وبتحديد خصائص بنيوية مميزة لكل خطاب . وهذه العملية مستحيلة لعدم وجود أي جنس أدبي نقي، ولتحطيم المبدعين المعاصرين قيود الأجناس الأدبية ومواصفاتها، ومع ذلك ، فإنه لابد من التسليم بوجود خصائص فوق تاريخية تكون مرئية أحيانا ، ومحتاجة إلى استنباط أحيانا أخرى"54.
يدخل كتاب مجهول البيان(1990) في إطار إخصاب القضايا البيانية التراثية بأسئلة جديدة قوامها النقد والبرهنة والتأويل ولتدارك ما بقي ناقصا في طروح القدامى( إثبات علاقة الاستعارة بقياس التمثيل ، والكشف عن وضعها المعرفي ، والارتقاء بها من مستوى الجملة إلى مستوى النص(أو لسياق)، واستنتاج منها مقاييس التأويل)؛ ولتقديم مقترحات لدراسة الاستعارة في منظور "علم الدلالة المعرفي" بصفة خاصة ، وفي منظور "العلم المعرفي" بصفة خاصة. ينطلق محمد مفتاح في مستهل المؤلف من التحديد الأرسطي( الشجرة الفرفورية) للتعريف به ، وبيان تأثيره على الدراسات القديمة والحديثة؛ثم يكشف عن خلفياته الابستمولوجية وعن ثغراته، ويدعو إلى تجاوز الابستمولوجيا الأرسطية الوضعية التي اهتمت بتحليل الكائنات الطبيعية والمفاهيم اعتمادا على مقوماتها الملاصقة قصد تبني التحليل بالمقومات السياقية التي تستمد نسغها من تفاعل المفاهيم والخطاب وسياقه ضمن بنية شاملة.كما يدعو إلى الانفتاح على نظريات جديدة مراعية لعلاقة الاستعارة بما قبلها وما بعدها(السياق). وفي هذا الصدد، يشيد بالنظرية التفاعلية(رتشاردزو ماكس بلاك ولايكوف و جونسون وكوفيتش...) المبنية على ترابط اللغة بالإدراك والمعرفة والمتحررة من كثرة التقسيمات والتفريعات، والقادرة على تشخيص رؤية أو إيديولوجية مجتمع من المجتمعات. ومع ذلك لا يرتاح محمد مفتاح للبدائل الجاهزة،بل يناقشها بوصفه مجسدا لخصوصية حضارية ، ويكشف عن ثغراتها وهفواتها لغرض تقديم تصور علمي ينسجم ومنطلقاته المعرفية والمنهجية ويتماشى وقوانين النسق الذي يتحرك فيه. وهذا ما نلمسه من باب التمثيل في الصفحات84-85-86؛إذ بين حدود مقاربة العلم المعرفي في تناول الاستعارة، وحاول بكفايته المعرفية إن يوسعها على نحو يمكنه من تحليل النصوص الاستعارية( مثل المناقب والكرامات، وبعض الشعر المعاصر،وبعض القصص والأمثال القرآنية)؛ وذلك في أفق الخروج بتأويل شامل، والكشف عن آليات الانسجام والتفاعل.أردف محمد مفتاح الفصول النظرية بفصل تطبيقي تظهيرا للمفاهيم وتثبيتا للعلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة. وفي هذا الصدد موضع الكتاب ضمن نظرية تفاعلية عامة تنظر إلى موقع عنصر من العناصر في إطار بنية شاملة؛وضمن نظرية تفاعلية خاصة ترتقي بتحليل الاستعارة من الجملة (التحليل المقومي S emique) فالنص(تفرع سلسلة من الاستعارات من الاستعارة النواة) ،ثم إلى السياق ( استخدام التمثيل للاضطلاع بتأويل شامل). ومثل في التظهير بالترجمة- المنقبة المنتقاة من كتاب التشوف المتعلقة بأبي زكريا يحيى الرجراجي. استعمل الوقائع الحرفية لإبراز موازياتها المضمرة، وتعامل مع النص الظاهر كمشبه( أو مشبه به) يحيل إلى مشبه به (أو مشبه)، وهو المقصود والأمثل وعالم الإمكان. وهذا ما فعله ديرقن في مقاربة المزرعة الحيوانية لاوريل. فمحمد مفتاح يريد أن يصل إلى استعارة السياق ليبين أن النص هو جماع من الاستعارات المترابطة التي توازي الخلفية الثقافية والاجتماعية؛ وهو ما يدعوه بالتمثيل (المقابل لمفهوم الرمز عند إمبرتو إيكو).استخلص ثلاث بنيات أساسية: أولها التدين الشعبي (فهم الرجل العادي المجاب الدعوة في إطار التصوف) وثانيها غريزة المحافظة على الحياة(يبذل ذلك الرجل قصارى جهده لاستدفاع شبح الموت في بيئة ممحلة) وثالثها الجنس (مسألة ضمنية ثاوية بين السطور).
رغم أن الكتاب مخصوص للجانب البياني(إعادة تقعيد الاستعارة وفق التراكمات المعرفية الجديدة)، فهو يضيء الجوانب الأخرى، بل أكثر من ذلك بقدم تصورات منهجية قابلة لتعميمها على أنواع خطابية متعددة ؛ مع مراعاة بطبيعة الحال ما ينماز به كل خطاب من خصوصية،وينفتح على مناهج متعددة(سيميائية الدلالة، وسيميائية التلقي، والتداولية ، والكارثية، والذكاء الاصطناعي، وعلم النفس المعرفي) ، وينظر برؤية نسقية إلى بعض المجالات المعرفية المتداخلة في ما بينها على نحو حلزوني( الفقه، والمنطق، والبيان، والانتربلوجيا، والفلسفة). وعليه، نعتبره فاتحة انخراط الأستاذ محمد مفتاح في المنهاجية النسقية .
II- المنهاجية النسقية:
صرح محمد مفتاح بالمنهاجية النسقية في كتابه التلقي والتأويل(1994)الذي يهدف إلى ترسيخ وتعميق ما ورد في مجهول البيان؛ وذلك بطرح فرضية أصلية تهم الضرورات البشرية، واشتقاق منها فرضيات فرعية تتعلق بكونية الآليات المنطقية والرياضية والنفسية، وبتأطير سلوكات اللغة وغيرها بسبب تفاعلات الإنسان مع محيطه،وباستهداف مفكري المغارب إلى منتصف القرن الهجري التاسع من كتاباتهم وتأويلهم توحيد الأمة وتوحيد الدولة للقيام بـأعباء الجهاد.
انصب الباب الأول على الجانب البياني، مبينا أن البلاغيين المغاربة كانوا مطلعين على الكتب البيانية المشرقية، وأنهم لم يكونوا نقلة بل أبدعوا حسب ما يتيح لهم المجال الجغرافي بخصائصه السياسية والثقافية والاجتماعية،واطلعوا على الكتب البلاغية النظرية، وعلى أصول الكتب المنطقية وتلاخيص الفلاسفة المسلمين لها؛ ولذلك حاول بعض البيانيين المغاربة"ضبط معالم البيان المشرقي واستصلاح أرضه وإزالة الأعشاب والطفيليات بآليات المنطق والرياضيات وبمفاهيمها لتحقيق نوع من "التراضي " على قوانين الكتابة والتأويل"ص18. حلل محمد مفتاح في هذا الباب ثلاثة نماذج من الاتجاه المنطقي الرياضي:
أ-اعتمد أبو المطرف أحمد بن عميرة في التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات على المقدمات البرهانية لضبط التأويل وصياغة معايير له تجنبا لتفاقم آفة التشغيب والفتنة ، وللفت النظر إلى الأخطاء الفظيعة التي يقع فيها المؤول غير المعتمد على البرهنة المنطقية؛لهذا السبب اقترح معايير تعصم من الخطأ ( تقديم الدلالة الصريحة على المفهومية، وسلمية الدلالة، وتقديم المذكر على المقدر، وغائية الخطاب). لقد كان رهان ابن عميرة ذا طبيعة مزدوجة: تقنين التأويل( خصوصا تأويل القرآن)، وصياغة قواعد بلاغية بلاغية مختصرة تمكن من تحقيق الوظائف الدينية والدفاع عن العقائد والوظائف الدنيوية المعتقدة.
ب-تغيا ابن البناء المراكشي العددي من كتابه الروض المريع في صناعة البديع تقوية المنة في فهم الكتاب والسنة، وتقريب صناعة البديع وضبطها وتنظيمها، وصياغة قوانين تأويلية تعصم من القول في كتاب الله وسنة رسوله من غير علم، وتجنب الأمة مغبة التفرقة والتشرذم.ويعتبر وريثا شرعيا لتقاليد المدرسة الرياضية المنطقية العربية؛ومن المفاهيم الرياضية والمنطقية التي استثمرها في جنس " تشبيه شيء بشيء" وفي جنس "تبديل شيء بشيء" نذكر النسبة أو التناسب أو المناسبة.
ج- استهدف أبو محمد القاسم السجلماسي من كتابه المنزع البديع الوقوف على لطائف القرآن، ومعرفة وجوه إعجازه،وتنقية البلاغة العربية من فساد التقسيم وتداخل الأقسام وتراكبها، واستنتاج قوانين التأويل التي تعصم من الهذر والقول والمخاطبات بغير علم الله، ونقل نظرية المقولات الأرسطية إلى ميدان علم البيان وتطبيقها بنجاح ." إن السجلماسي الأرسطي لم يزغ عن طريق أرسطو ولذلك تبنى المبدأ المذكور ( الجنس العالي لا يترتب تحت شيء ولا يحمل على جنس آخر أصلا . المنزع ص290) وعلى أساس هذا المبدأ وضع الأجناس العشرة العليا ونوعها أنواعا ، وحاول أن يضع حدودا فاصلة بينها، ولكن اعتراضية عقبات أحيانا فأدلى بملاحظات ذكية تقربه من الابستمولوجية المعاصرة" ص63.
استنتج محمد مفتاح أن هذه النماذج الثلاثة تتضمن أفكارا مازالت لحد الآن محافظة على راهنيتها في بعض روافد الثقافة الغربية ( كالإعلاميات والدراسات اللسانية ودراسة تحليل الخطاب...) التي أعادت قراءة ومساءلة الإرث الأرسطي، وتستبطن كذلك عناصر كونية أملتها الفطريات الإنسانية وفرضها التعامل مع المنطق والرياضيات. وفي هذا الصدد يبين محمد مفتاح أن خلل الثقافة العربية المعاصرة يكمن في إيمانها المطلق بما يرد علينا من الغرب معتبرة إياه من صنع خيالهم؛ في حين ماهو إلا إعادة قراءة للميراث الأرسطي. ولم تستطع معاودة قراءة المناطقة والأصوليين المسلمين بطريقة إبداعية إلا نادرا جدا. مع العلم أن مؤلفاتهم تتضمن كثيرا من المعطيات التي أكدتها الابستمولوجيا المعاصرة؛ على نحو الاستعارة التناسبية والابدالية والتشبيهية عند ابن البناء، ووجود التحليل المقومي في التحليل الأصولي والبلاغي ، وعدم اختلاف " النموذج الأمثل" عن نظرية المقولات الأرسطية التي استثمرها السجلماسي...الخ.ويشيد محمد مفتاح كثيرا بما اضطلع به السجلماسي من مجهود للتعمق في قراءة كتب أرسطو وخصوصا كتاب المقولات.وهذا ما جعل طروحه قريبة من صنيع المحدثين، لان أرسطو وضع نظرية التعريف التي هي قاعدة التحليل المقومي المميز بين الصفات الجوهرية وبين الصفات العارضة، كما صاغ المقولات التي تشترك كثيرا مع فرضيات" النموذج الأمثل".
انكب محمد مفتاح في الباب الثاني على أمثلة من الكلام وأصول الفقه للتأكد من صحة وضع قوانين التأويل لتحقيق وحدة الأمة ووحدة الدولة وتعبئة عموم الشعب لتحمل أعباء الجهاد وتحقيق المصالح.
أ- خصص ابن رشد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال،و الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة لتناول معضلة التأويل؛ فوضع في المرتبة العليا التأويل الناتج عن القياس المنطقي الذي هو أتم أنواع القياس،وهو مخصوص بالراسخين في العلم. ونبه من خطورة وضعه في الكتب الجدلية والخطابية حتى لا يطلغ عليه العامي.استخدم أرسطور كذلك نظرية التوسط ونظرية الطرف المحايد في حل مشاكل فلسفية وكلامية وسياسية وتأويلية قد تكون مصدر خلاف بين الناس . وما يهم محمد مفتاح بالدرجة الأولى هو توظيف ابن رشد لهما في تأويل النصوص "والتوسط والحياد مكونان اثنان من مكونات المربع السيميائي المنطقي،أو المربع أو المسدس السيميائي المعاصر،والمربع السيميائي وسيلة تأويلية وتوليدية في الوقت نفسه" ص99.
ب-إن كان كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول لأبي الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي ( ت 626-1228) مخصصا للرد على الفلاسفة وخصوصا أرسطو وأتباعه من غير المسلمين ومن الفلاسفة المسلمين مثل الفارابي وابن سينان فهو متمحور حول غاية كبرى وهي مهاجمة التفرقة والذب عن وحدة الجماعة وتماسكها. ومن الآليات التي وظفها في كتابه( نظرية المقايسة ،وآليات المنطق الصوري، والتأويل). ومن خلاله يتبين مدى تمثله للكتب المنطقية الأرسطية( خاصة المقولات و البرهان) واطلاعه على ما كتبه الفارابي وابن سينا في المنطق والإلهيات ومزجه بين قياس التمثيل وقياس الشمول وأتباعه لنهج ابن حزم وابن رشد المناوئين لقياس الغائب على الشاهد وخصوصا في مجال الإلهيات. يرى محمد مفتاح أن "كتاب المكلاتي يدخل ضمن نسق عام ونسق خاص، ونسق أخص؛ فالنسق العام هو انتماء كتابه للمنهاجية الكلامية التي تمزج المقايسة والبرهنة. والنسق الخاص هو تجنب المقايسة والاعتماد على البرهان لضبط قوانين التأويل؛ وأما النسق الأخص فقد دفع الرجل بالتجريد والتأويل خطوة إلى الأمام في نطاق ما تسمح به الكفايات البشرية. وبهذه الأنساق يمكن أن يؤول كتابه بأنه يحقق هدفين مزدوجين: أحدهما هو فتح آفاق للخيال المرتكز على آليات كونية وإنسانية مما يؤدي إلى مغامرات استكشافية. وثانيهما توكيد وحدة الأمة ووحدة الدولة للقيام بأعباء الجهاد بمحاربة +الطوائف المبتدعة"ص120.
ج- قام أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات والاعتصام بتوظيف المنطق لبناء أحكام الشرع،وبتحديد العلاقة بين الجزئي والكلي،وبنقل التمييز بين الصفات وعلاقة الأنواع بعضها ببعض إلى المجال الديني،وباستثمار نظرية التعريف لتشييد المسائل الفقهية،وبتسخير نظرية التجنيس للربط بين القضايا الفقهية والإحكام الشرعية ولصياغة تعريفات اصطلاحية. واجتهد لوضع مبادئ للتأويل مع مراعاة ما سماه محمد مفتاح بالمجال التداولي، ويشمل قواعد على نحو مراعاة أوضاع المؤول( مجاراة الأولين)وأوضاع المؤول(الإقرار بوجود الظاهر والباطن في القرآن)وأوضاع المؤول له( مراعاة ما يليق بالعامي وعدم اطلاعه على كبار المسائل) ومراعاة المؤول لمقتضيات الأحوال ومجاري العادات، واعتبار الخطاب القرآني متعالق الأجزاء مترابطها.وعلى الجملة، يهدف الشاطبي من مشروعه الفكري توطيد قوانين تأويلية متينة صحيحة ضمانا لقوة الدولة ووحدتها ولتطفئة ثائرة الفتنة، واستنباط الإحكام الجديدة المسايرة لروح العصر.
بين محمد مفتاح أن المشروعات الفكرية الثلاثة( لابن رشد والمكلاتي والشاطبي) تتفق في استثمار الآليات المنطقية،وصياغة قواعد تأويلية تعصم من القول في الشريعة بما لا سندله من نقل أو عقل. واظهر " أن التأويل إذا لم يكن مستندا إلى مشروع فكري وسياسي فانه يكون مجرد مادة استهلاكية أولهوا ولعبا يشغل عن الحياة الدنيا وعن الآخرة "ص144.
خصص الباب الثالث لمثالات التأويل( مثال الإنسان من خلال قصيدة ابن طفيل، مثال الحيوان من خلال كرامات أبي يعزى، ومثال النبات في روض التعريف بالحب الشريف لابن الخطيب) التي تحكمت فيه آليتان أساسيتان: المقايسة الطبيعية التي حلت محل المنطق، والتوفيق بين فئات المجتمع وتعزيز السلطة. وان اتفقت هذه النماذج في غايتها الكبرى ، فهي اختلفت في وسائل التعبير، وفي التكيف مع الظرفية التاريخية،وفي توظيف بعض آليات المنطق الطبيعي المنسجمة وطبيعة النموذج. وظف محمد مفتاح في تحليله لقصيدة ابن طفيل مفهومين جوهريين( الصورة والعمق) للتدليل على انسجام النص واتساقه وعلى دفاعه عن التوفيق بين الموقف الشعبي وبين الموقف المتفلسف وعن المصالحة بين السلاطين للتمكن من القيام بفريضة الجهاد. وانطلاقا من البنيات الموضوعاتية وآليات التمثيل، نفذ محمد مفتاح إلى البنية العميقة لدعامة اليقين لأبي القاسم العزفي للكشف عما خفي منها وهو إبعاد بعض المناقب والكرامات التي تعبر عن الجذور الوثنية وعن الصراع بين السلطة المركزية وبين سلطة أبي يعزى، وما ظهر منها وهو تلك المناقب والكرامات التي توفق بين أبي يعزى وبين سلطان الوقت، وبين أبي يعزى وبين فقهاء عصره، وعلى دور أبي يعزى في المصالحة بين القبائل المتناحرة.بين محمد مفتاح أن كتاب ابن الخطيب ينهض على التوسطية في تعبئة الناس، ويقوم على استعارتين نموذجيتين( المحبة شجرة، النفوس أرض) تتولد عنهما استعارات مفهومية فرعية وتعابير استعارية معتمدا على معلوما ت أفلاطونية وأفلوطينية وهرمسية للربط بين العالم العلوي والعالم السفلي والواقع الأندلسي، ومدافعا عن وحدة الامة وعن تكوين الإنسان السياسي الكامل ليتحلى بالصبر ويضطلع بالجهاد.
يسعى كتاب التلقي والتأويل إلى تبيان أن عملية التلقي مشيدة على قواعد تاويلية تتحكم فيها آليات منطقية وقوانين كونية ومعززة بحجج وتصورات لدعم وحدة الأمة والتوفيق بين مختلف الفئات.لقد بني هذا الكتاب على منهاجية بنيوية -نسقية توازن بين تحليل بنيات كل خطاب على حدة وبين إيجاد علائق بنيوية ووظيفية بين مختلف الأنواع الخطابية المعاينة.
بين محمد مفتاح في التشابه والاختلاف أن الرؤية الشمولية تضرب بجذورها إلى التصورات الهندية والفيتاغورية والأفلاطونية والرواقية والأفلوطينية وبعض التيارات الصوفية والفلسفية والفكرية الإسلامية الجديدة. لكن المحدثين أعادوا الاعتبار لها واعتمدوا عليها ، شأن القدماء ، لتفسير نظام الكون ورفض اختلاله وعمائه وفوضاه، ولإعطاء لكل عنصر مرتبته ودرجته ضمن النسق العام، وللكشف عن البنية الرابطة بين مختلف العناصر والمجالات والظواهر.تقوم الرؤية الشمولية على مفهومين قاعديين ( الدينامية والانتظام) تتناسل منهما مفاهيم كبرى على نحو التشابه والتناظر والانتظام والانسجام والاتصال والانفصال.تنتظم هذه المفاهيم لتحديد طبيعة العلاقة والترتيب( الترتيب الخطي ، والترتيب الشجري، والتفاعل الدينامي والتجاوري) والاشتراك( التناظر والمقايسة)ووحدة النظام رغم تشعبه وانشطاره، ولضبط الآليات المتحكمة في نسقية الثقافة.
أبرز محمد مفتاح في التدريج أن مقصوده من التعامل مع النظريات والمناهج المختلفة هو حل الإشكال المنطلق منه والوصول إلى الهدف المنشود. ويتمحور الإشكال حول دفع الأغلوطة الانطلوجية والأغلوطة التشييدية المتطرفة. وعرف بجملة من استراتجيات تحليل الخطاب المتبعة بفرنسا وانجلترا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية،وكشف عن أسسها المعرفية والمنهجية ،وبين اتفاقها في بعض القواسم المشتركة على نحو تجاوز حدود الجملة للتعامل مع الخطاب بوصفه كلا منسجما ومتماسكا. وعلى جري عادة مفتاح قام باستخلاص لباب الأشياء وبإعادة صوغ المفاهيم وإعطائها وضعا اعتباريا جديدا على نحو تكون فيه متماشية مع استراتجيته. وتنبني استراتجيته على ما يلي:
- مراعاة الشروط المقامية (أو الظرفية ) والشروط البيولوجية والنفسية والمعرفية للمنتج والمتلقي، ونتيجة لهذا تدفع الأغلوطة الأبدية والأغلوطة التاريخانية النسبية.
-إعطاء تعريف جديد للتخاطب ليستوعب العلاقة بين خطابين أو بين أنواع من الخطاب. وهو ما يفترض أن يكون هناك خطاب أعلى وأنواع خطابية فرعية. تم استنتاج من الخطابات المتداخلة بعض العلائق المطردة والمرتبة تدريجيا من الكثرة إلى القلة على القياس والتقريب : المطابقة ،والمناظرة،والمحاذاة،والمماثلة،والمضاهاة،والمضارعة،والمشاكلة، والمشابهة.
- اعتبار النص نسقا مغلقا مكونا من عناصر مترابطة ومتفاعلة ومنضبطة ذاتيا، وبنية منفتحة على ما يعرفه المجتمع من تحولات اجتماعية وتاريخية تمس في الجوهر وظيفة الأدب.
- توفر النص على بياضات وإضمارات يضطلع القارئ بملئها لإضفاء عليه طابع الانسجام،وتضمنه لنواة بسيطة تتفرع إلى بنيات معقدة. ورغم انشطارها وتشعبها تظل محافظة على الوحدة والانسجام
-اتسام الخطاب الأدبي بتعدد القيم ، ومن ضمنها خاصة الخصائص التي تم اقتراحها لتحل محل المفاهيم التي استهلكت بكثرة؛ وهي المواضعة الجمالية.
مما تقدم يستنتج محمد مفتاح ما يلي:" وقد حاولت إستراتجيتنا أن تستثمر بعض مفاهيم القراءة الطبيعية والقراءة الاصطناعية فركزت على نسقية الخطاب بما يعنيه من انغلاق وانفتاح،وعلى تنظيم الذاكرة الدلالية،وعلى بعض مظاهر الاستدلال،وعلى مفاهيم بيولوجية وفيزيائية وجمالية"ص53.
لما فرغ محمد مفتاح في فصل الانتظام من عرض ومناقشة الأطروحات المتداولة حول كتب المنتخبات والكتب الجامعة والكتب التي تتعدد مواضيعها،أدلى بدلوه ليقدم أطروحته الخاصة.قدم في البداية الرأي( يندرج فيه احمد أمين،وإبراهيم كيلاني،ومحمد عابد الجابري) الذي يصم مؤلفات أبي حيان التوحيدي بالتشتث والاضطراب المطلقين،ويرجع ذلك إلى الثقافة الموسوعية للكاتب. وأعقبه بالتيار الذي يأخذ بالتشتت والاضطراب النسبيين ،وخير من يمثل هذا الاتجاه هو داوود القاضي.باعتماد محمد أركون على علم الدلالة البنيوي وعلى النتائج المستخلصة من دراسة الفلسفة اليونانية، تبنى رأيا مغايرا يثبت من خلاله توفر مؤلفات مسكويه على وحدة دلالية عميقة.
تنتقض أطروحتي التشتت والاضطراب أمام طرح محمد مفتاح المشيد على قاعدة لسانيات الخطاب ونظريات التلقي والتأويل،والمبرهن على وجود تجليات الانتظام في البصائر لأبي حيان التوحيدي؛ وتتجلى في الإحالات،ووجود وحدة موضوعاتية جامعة ( الجد/ الهزل)،ودراية المؤلف بشروط التأليف وبقواعده ومراميه( الجمع ،والتحليل،والتصنيف،وتوخي الغايات،وتبليغ رسائل)،ومراعاة شروط الجنس المعتمد عليه في التأليف،واستبشاع إشكال الخلل والتفرقة.لا يتوقف محمد مفتاح عند هذا الحد، بل يسترسل في تفصيل مظاهر الوحدة مشيرا إلى اشتباك العالم الأوسط الإنساني بالعالم العلوي،والى تراتبية العلوم وأهدافها، والى تراتبية الكائنات ومراميها،والى تراتبية الإنسان ومغازيها.ورغم ارتكاز معالم الوحدة ،في المؤلف السابق وغيره، على أفكار فلسفية يونانية ، فان التوحيدي استطاع - بالإضافة إلى المحافظة على بعدها الإنساني الساعي إلى إسعاد البشر- أن يكيفها مع المنظور الإسلامي؛إذ يبقى"الله هوا لمصدر الحق لكل ما في الكون،ومصير كل ما في الكون إليه،والله أدرى بحكمته في مخلوقاته،فكل ما في الكون من عقليات ووهميات وظنيات وحسيات وعمليات يسري فيه روح الله وفيضه "ص77.
بعدا لتدليل على مبدأ الانسجام من خلال فرض المحاكاة( العالم السفلي يحاكي العالم العلوي)، افترض محمد مفتاح أن كتاب البصائر مسرح لواقع إنساني عميق ولواقع نصي سطحي، واستطاع أن ينفذ إلى العمق بإواليات انتربلوجية وثقافية وتعبيرية.وبعد إثبات الوحدة على المستوى المثالي العميق ، وعلى الواقع الواقعي العميق، قام بتأكيدها على المستوى السطحي للكتاب بالاعتماد على آليتين ، وسم الأولى بالانضباط الذاتي( وجود آليات تضمن استقرار النص وانتظام فقراته وأجزائه) ؛وأطلق على الثانية التفاعل( أوجه الاختلاف والائتلاف بين الفقر).بالجملة ، لقد تعامل مفتاح مع كتاب البصائر بتصور شمولي ينفي العماء واللانظام ويقر بوجود بنية عميقة ذات نظام متراص ،وبوصفه نواة لبقية آثار المؤلف ،و حكاية لكون مثالي وحكاية لكون واقعي . ولا يمكن تعميم النتائج المتوصل إليها على كتب أخرى إلا بعد التأكد من وجود قواسم مشتركة، وهذا ما تستحث عليه المقايسة الجدية.
تمحور الفصل الثالث حول ثلاثة مفاهيم جوهرية:التوازي والتماسك والتفاعل.اثبت محمد مفتاح مدى شح النظريات القديمة والحديثة في وضع مفاهيم إجرائية لوصف ظاهرة التوازي،لذا استفرغ جهوده لبيان شموليتها وتجلياتها المختلفة( مقطعية وعمودية ومزدوجة وأحادية وتناظرية) من حيث الطبيعة ودرجاتها ونوع العلاقة في شعر أبي القاسم الشابي على وجه العموم وفي قصيدة النبي المجهول على وجه الخصوص. وقد شخصها بالمنهاجية الظاهراتية التي تنتقل من الظاهرة إلى الدينامية التوليدية. تعامل محمد مفتاح مع التماسك بوصفه مفهوما شاملا يحوي مفاهيم تراتبية إجرائية خاصة على نحو التنضيد والاتساق والتشاكل والترادف. وعلى جري عادته، يتحرر من إسار التصورات الغربية لينسل منها مفاهيم ملائمة لطبيعة اللغة العربية، وهكذا فصل بين الترابط النحوي الذي يشمل التنضيد والمحيلات وجهات الأفعال وبين الترابط المعجمي الذي صنفت فيه أنواع العلائق التي تكون بين مفردات المعجم(التكرار،والاشتقاق،والتداخل، والكناية،والمجاز المرسل). بنى مفهوم التشاكل على ثوابت لغوية وانتربلوجية.اعتمد على المعرفة الموسوعية لاستنتاج المقومات السياقية القادرة على التأليف بين مفردات متنافرة. ولم يكتف بإثبات انسجام الرسالة،بل كشف عن بعض الثوابت الانتربلوجية( ثنائية الطبيعي/ الثقافي؛ السلم/الحرب؛الدين/ الإلحاد؛التملك/ رفع الحيازة...)،واستغل بعضها للبرهنة على وجود الكليات التجريبانية من خلال بعض مفردات النبي المجهول. واستنتج من خلالها السر الذي يكمن وراء خلود بعض الأعمال الأدبية بخاصة الرومانسية منها، وهو التعبير عن الثوابت الانتربولوجية في الكائن البشري ( ثوابت أخلاقية وجمالية ودينية) بطريقة عميقة وجميلة ومؤثرة. شعب محمد مفتاح مفهوم التفاعل إلى تفاعل مذهبي يبين اطلاع الشاعر على بعض اتجاهات المذهب الرومانسي المدافع عن قيمة الحرية؛ والى تفاعل ذاتي يتجلى في تنظير الشابي للخيال الشعري عند العرب، وفي التعبير عن الغنائية، وفي الاحتجاج على مظاهر الظلم والاستعباد،وفي تشخيص الثوابت الإنسانية؛والى تفاعل وجودي يعكس - من خلال الجنة الضائعة وأحلام شاعر و قيود الأحلام- تجاذب الذات بين محدوديتها وسعة الميراث الثقافي والغنوصي. لقد حاول محمد مفتاح مما تقدم أن يقترح إطارا نظريا يراعي الخصائص الجمالية والإيديولوجية والكونية عند تحليل الشعر.
خصص الفصل الرابع لتحقيب الأدب المغربي بمنهاجية نسقية تفترض تمحوره حول وظيفة الدعوة إلى الاتحاد والجهاد وخدمة المقاصد السياسية، وتقتضي التعامل معه بوصفه نسقا فرعيا من نسق مجتمعي عام، واعتماد المقايسة لإثبات العلاقة بين الأنساق.انتقد محمد مفتاح التحقيبات المتداولة لكل من عبدا لله كنون ومحمد بن تاويت ومحمد بن شقرون ومحمد حجي ومحمد الأخضر بحجة" تبنيها للآماد القريبة القائمة على مصير شخص مما أدى إلى نتائج غير محمودة ألا وهي: إن الآداب تعتريها قطائع...وأنها مجرد حلقات لا صلة بينها ولايجمع بينها جامع ما عدا أنها تنتمي إلى بقعة معينة من أرض الله الواسعة فتنتسب إليها"ص163.واقترح تحقيبا بديلا لحمته الناظمة هي الدعوة إلى الاتحاد للقيام بالجهاد،وأركانه استثمار الخيال المعقلن، والاعتماد على " عيون الوقائع"، والأخذ بمفهوم الأمد البعيد( من فتح العرب للأندلس إلى حدود الآن) الذي يتكون من أربع حقب ( حقبة الهيمنة، حقبة التحصين، حقبة البعث، حقبة استكمال التحرير وبناء الدولة العصرية). ومثل لهذا النوع من الأدب الداعي إلى الجهاد والاتحاد بجملة من الآثار الشعرية والنثرية. لما فرغ من التمثيل والتحليل والبرهنة، تأكد من صحة الفرض المنطلق منه، وهو أن روح الأدب المغربي هو الدعوة إلى الجهاد.إن ما عرفه العالم الحديث من تحولات وثورات كبرى، فرض على مفتاح القيام بتحبيب جديد يتبنى مفهوم الإبدال الضعيف (الإبدال الجديد يحتوي القديم ويتجاوزه دون إلحاق ادني تغيير بالغايات المشتركة) الذي يقر بتحكم إبدالين في الأدب المغربي الحديث: إبدال ما قبل الاستقلال،وإبدال الدفاع عن الهوية مع الانفتاح الضروري على الثقافة الإنسانية ، وبانتعاش الإبدال القديم بتعاظم الهم الوطني الساعي إلى استكمال تحرير التراب الوطني؛ وهكذا بدأت جماعة من الأدباء يخلدون الذكريات التاريخية والوطنية المجيدة شعرا ونثرا، وتركزت جهود المجتمع المدني للجهاد الأكبر المتمثل في بناء دولة عصرية مستقلة وقوية ومحافظة على كيانها وشخصيتها.
بين محمد مفتاح في الفصل الخامس الذي وسمه بالتشابه أن اللغة الشعرية أيقونية بامتياز، لأنها قابلة للمزج بين الكلام والتشكيل لأغراض جمالية وإيديولوجية مقصودة ،وأوضح بأن التنظيرات الترجمية تقوم على أزواج(الترجمة الدلالية/ الترجمة التواصلية)، ونمذج الأيقون إلى عدة أنواع( المثالي والمتماثل والمتشابه والمتناظر). وعلى ضوئها قام بنمذجة الممارسة الترجمية إلى ما يلي: ترجمة أيقونية نموذجية مثالية ،و ترجمة متوازية ،وترجمة أيقونية متناظرة أو متكافئة. يرى محمد مفتاح أن الترجمة" يجب أن تراعي كل محددات النص من سياق وقارئ وتواصل وشكل ونمذجة للأيقون"ص202. ولم يكتف بالتنظير ،بل امتحن إجرائية النمذجة المقترحة لتقويم وتقنين ترجمة القصيدة المجسمة la colombe poignardée et le jeu d'eau للشاعر الفرنسي أبولينير إلى الانجليزية، فاستنتج استحالة ترجمة النص الأصلي كما هو لاختلاف الأنساق اللغوية،وانفلات كثير من الخصائص الشكلية واللغوية على ترجمة التكافؤ أو التواصل"وعليه، فإن الدرجتين الوسطيين، درجة المماثلة والمشابهة، هما مناط كل ترجمة تجمع بين الأمانة وإعادة الإبداع،بين المعاني الواردة في البنية السطحية النصية وبين أبعادها الرمزية الضاربة في أعماق النفوس البشرية، بين المحافظة على تداخل الأنساق وبين الرسالة المركبة،بين التعقيد الظاهر والتعقيد الخفي، بين الأبعاد الروحية والمادية" ص210.
III-تشريح المفاهيم و نحتها:
تتردد في كثير من النقاشات العادية أو العلمية عبارة "تحديد المفاهيم" ، وذلك نظرا لكونها تشكل جوهر اللغة الطبيعية ولب اللغة العلمية الاصطناعية. فبواسطة المفاهيم يستطيع المرء أن يفرق بين شيء وشيء ، وكائن وكائن. وقد ازداد الاهتمام بالمفاهيم في الأوساط العلمية والجامعية ، وفي المعاجم والكتب المختصة ، نظرا لكونها تشكل مفاصل النظرية سواء أكانت مفاهيم أولية لها تحديدات جامعة مانعة أم لها تعبيرات مسندة لها توضح علائقها ووظائفها. واتسعت دائرة الحقول المعرفية والعلمية المهتمة بها ، محاولة منها لضبطها ، وتقنينها ، وتحديد أصنافها ووظائفها . وما يزيد من مصاعب تحديد المفاهيم هو اندغامها في نسق نظري يؤطرها ، وارتكازها على خلفيات معرفية محكمة . إن الحديث عن المفاهيم الأولية أو المفاهيم المشتقة يؤدي إلى التساؤل عن مصدرها . فالأجوبة تتعدد بتباين المسلمات المنطلق منها سواء أكانت ميتافزيقية أم أنطولوجية أم فلسفية . وتتحدد طبيعة المفاهيم ومداها على أساس مصدرها " فمن وجهة النظر العقلانية فإن المفهوم شمولي وضروري ومستقل ، ومن وجهة نظر التجرباني فإن المفهوم مرتبط بشيء ما في وقت ما ؛ ومن ثمة فإنه نسبي وقابل للتحوير والتبديل والإلغاء .. وأما العقلاني التجريبي فيقر بوجود مصدرين للمفاهيم ؛ أحدهما الإنسان في كليته ، وثانيهما السياق في شموليته"( المفاهيم معالم 1999) ص 8 . وهذان المصدران هما اللذان يزودان الإنسان بالكلمات المتداولة ( اللغة العادية ) ، ويفرزان المفاهيم التي يوظفها الباحث في صياغته النظرية ( اللغة التقنية الاصطلاحية ).
وتخضع المفاهيم إلى التصنيف ، وقد دأبت العلوم التجريبية إلى تقسيمها إلى ثلاثة أنواع ؛ هي المفاهيم الترتيبية ، والمفاهيم المقارنة ، والمفاهيم التكميلية . واختزلتها الأدبيات المعاصرة المختصة بالمجال المفاهيمي إلى مفهومين أساسيين ؛ هما التصنيف والترتيب . واتبع الأستاذ محمد مفتاح بعضا من صنيعها ، فتحدث عن المفاهيم الترتيبية والمفاهيم المقارنة .
أ - المفاهيم الترتيبية : يقوم هذا النوع بترتيب المفاهيم على أساس أنواع العلائق ؛ وهي المشابهة ، والأسبقية ، والاحتواء ، والتبعية . وتتحقق علاقة الرتب بحسب مبادئ ميتافزيقية أو مبادئ أنطلوجية . "فالمبدأ الميتافزيقي الأنطلوجي يجعل تلك التوالدات الترتيبية نابعة من أصل وحيد . والمبدأ الأنطلوجي التجريبي يرى أن تلك التوالدات ينتج عن بعضها بعض " ص10 .
ب- المفاهيم المقارنة : تنهض على منطق هذا ولا هذا ، وأكثر وأقل، مما أدى إلى القيام بتدريج المفاهيم وترتيبها ، والإقرار بوجود سلسلة من الأشكال الوسيطة بين نوع وآخر. ويقول الأستاذ محمد مفتاح ما يلي لاستدراجنا إلى صلب الموضوع : « بغض النظر عن التقابل بين المنطق الصوري والمنطق المتدرج ، أو بين أرسطو وبُوداه ، وبقطع النظر عن تبادل العبارات القوية فإن ما يهمنا نحن هو أننا وظفنا مفهوم التدريج فأدى بنا إلى نتائج حسنة مع بعض الأعراض الجانبية ؛ بل إننا اتخذنا شعارا لنا هو: المفاهيم معالم ».ص11
إن أغلب المفاهيم مستقاة من النظريات العلمية التجريبية ، ومع ذلك يمكن الإفادة منها في التحليل الأدبي والاجتماعي بإعطائها منازل جديدة . إن المفاهيم التي اقترحها الأستاذ محمد مفتاح هي مفاهيم حسية تجريبية ممتوحة من النصوص اللغوية التي تتلقاها الحواس البصرية والسمعية / ومن ثمة فهي جزئية وظرفية ، وليست مطلقة . ولا تجرد التجزيئية والظرفية المفاهيم من تقنيتها واستعمالها اليومي . وهذا ما يجعل ممكنا الاتفاق على مصطلحات ومفاهيم ، وتبويبها في معاجم خاصة . وقد تتغير المضامين الاصطلاحية بتعدد الباحثين ، وتباين أغراضهم واستراتجياتهم . وقلما يوظف المحلل التحديد المنطقي الصارم ، وإنما يقيم تحديدات اسمية أو تشييدية باعتماد المعطيات التجريبية والملاحظة الذاتية . ومن الممكن أن يصبح لهذا التحديد المشيد قوة التحديد الطبيعي المتعارف عليه بين الباحثين في مرحلة زمنية معينة. ويقر الأستاذ محمد مفتاح بمبدأ التدريج متجاوزا الثنائيات إلى رباعيات، وسداسيات ، بل إلى ثمانيات . وقد أفضى به التدريج إلى إقامة تراتب المفاهيم حسب الخاصيات المطلوبة ، وإعداد تدرج للمفاهيم المقارنة بالاعتماد على نظام تسلسلي وتصاعدي . وقد أثبتت نتائج التدريج ([1]) أن مبادئ البحث توخت البساطة ، لكنها - على جري عادة أهل العلوم المعاصرة - ولدت من مبدأي الاتصال ولانفصال ( عنوانا البساطة ) مبادئ فرعية ومفاهيم متعددة . وتغيا الأستاذ محمد مفتاح من كتاب المفاهيم معالم تجنب الآراء الفطيرة والقراءات الاختزالية والمراهنة على الحقيقة الواقعية للتقدم في العلم ، وتأسيس معايير اجتماعية ، ونشر تقاليد جمالية في إطار من الحرية والمسؤولية ، والدعوة إلى دفع الحقيقة المطلقة وآفات النسبانية المتطرفة الفوضوية.
يتمحور الكتاب حول مفهوم النص . جعل له الأستاذ محمد مفتاح طرفين أساسيين ؛ أحدهما مكون من النص الكوني والنص الطبيعي ، وثانيهما مؤلف من شبه النص ، والتناص ، والنصنصة . كما جعله بؤرة للحقائق التالية: الحقيقة المجردة ، والحقيقة الواقعية ، والحقيقة المشيدة ، والحقيقة العلمية ، والحقيقة الجمالية ، والحقيقة الممكنة.
ولما نعود إلى الثقافات ذات الأصل اللاتيني نجد أن مفهوم النص يفيد النسيج بما تحمله هذه اللفظة من معنى في المجال المادي الصناعي ، وما تستتبعه من انتظام وانسجام وتعقيد وتشابك ، وما تتغياه من تثبيت المعلومات وتجذير السنن وترسيخ السلوك ، وما تستضمره من حقائق تحتاج إلى التأويل لاستنباطها وتبريزها . أما في الثقافة الإسلامية ، فإن مفهوم النص يعني البروز والظهور، ومنتهى الشيء ، وما لا يتحمل التأويل . وهو أخص من الكلام ، ومن الكتاب ، ومن البيان ، ومن البلاغة . لكن لماذا لم تترجم مفردة texte بالكلام أو الكتابة أو النظم لاشتراكهما مع الأصل اللاتيني في التتابع والتماسك والتعالق والتنظيم والتقنين والشمولية ؟ ويحتار القارئ العربي بين مفهوم النص كما هو محدد في المصادر الإسلامية وبين الاستعمالات الاصطلاحية المتداولة الأجنبية ( وخاصة عند تيار ما بعد الحداثة ، وتيار فلسفة الظواهر ، والنظريات السيميائية، ونظريات علم النفس المعرفي ، ونظريات القراءة التداولية والوظيفية). وهو ما يستدعي تحديد المفهوم بكيفية مضبوطة ، واستراتجية واضحة المعالم ، وذلك على نحو يراعي ظروف تكونها ، ويواكب ممارستها الثقافية والسياسية . وقد سار في هذا الاتجاه نصر حامد أبو زيد باذلا مجهودا مشكورا في تحديد مفهوم النص ، لكن ما يعاب عليه هو عدم القيام بمقارنات موسعة تمكنه من ضبط معاني المفهوم ومختلف استعمالاته ، واستنتاج أوجه الائتلاف والاختلاف . مما تقدم يتبين أن مفهوم النص يكتنفه الغموض من جراء قلة ضبط شروط انبثاقه الاصطلاحي ، وعدم تحديد مكانته ضمن شبكة من المفاهيم المتداخلة معه.
جعل المحدثون العرب مفهوم النص مطابقا للمفهوم الأجنبي ، فصار متداولا على هذا النحو. ومع ذلك لم يؤصل المفهوم ، بل وقعت المطابقة على سبيل التقليد ، وهو مما أدى إلى الجمع بين تحديدات متباينة لا تزيد الوضع إلا فوضى وعماء . إن الأمر- والحالة هكذا - يستدعي تدقيق المفهوم داخل مدرسة واحدة أو مدارس متعددة ، ويتوجب القيام بالمقارنات التاريخية للتوقف عند أوجه التشابه والاختلاف للخروج بالتركيب الممكن بين الإرث التراثي و بين المكتسبات المعرفية المعاصرة. مما تقدم يتبين أن الأستاذ محمد مفتاح انطلق من تحديد مفهوم النص ، فوجد نفسه أمام مفاهيم أخرى متداخلة معه تحتاج إلى تدقيق وتدريج للوقوف على معانيها ، واستعمالاتها ، ودرجاتها ، وبيان أوجه الاختلاف والاتفاق بين المفهوم كما يستعمل في الثقافة الغربية ، وبين معانيها المستضمرة في بطون المصادر الإسلامية.
1- النص الكوني : الحقيقة المجردة.
من المفاهيم التي استأثرت باهتمام جميع الحقول المعرفية هو مفهوم الحقيقة . وإن تطورت المنظورات إلى الحقيقة ، وطرق البحث عنها ، فقد ظلت النواة البشرية الفطرية والآلات المستمدة منها والمساوقة لها محافظة على جوهرها. وقد مثل الأستاذ محمد مفتاح بمثال دال يجمع بين الأدلة العقلية والأدلة الشرعية وهو ابن البناء . بين ابن البناء مدى صعوبة وضع حد للحقيقة ، فاستبدلها بالرسم بمعانيه الصوفية والمنطقية ، وبوصفه استدلالاً عقليا يجمع بين الافتراض والقياس والاستقراء والمقايسة . وحدد مراتب للوصول إلى المطلوب ؛ وهي مرتبة الحس ، ومرتبة الفكر التخييلي ، ومرتبة العقل الروحي . وتدرك هذه المراتب على التوالي بالتشابه ، وبالتوهم ، وباللزوم العقلي . إن إدراك شيئين بالحس يعني الجمع بينهما بواسطة علاقة المشابهة والتفاعل. وبما أنه تتخلله فنون من الأوهام فإن الأمر يقتضي أن يعزز بالفكر والروية باعتماد اللزوميات العقلية لرفع الخداع وإبعاد الأوهام وضبط الاعتبارات . وقد تعددت طرق الوصول إلى الحقيقة بالعقل (العلامة ، والرسم ، والبرهان) ، ومع ذلك يبقى عاجزاَ عن إدراكها . و"من ثمة كان لامناص لابن البناء من أن يسلم نفسه إلى الحق لإثبات حقيقته بكلمته ، وكلمة الله هي الوحي ، ومبلغه رسول من عنده " ص62. ويلعب الرسل والأنبياء والأولياء دورا أساسيا في الكشف عن الحقيقة بإزالة غشاوة الحجاب المؤدية إلى تعدد التأويلات والإدراكات والاختلافات. ويستخلص الأستاذ محمد مفتاح مما تقدم أن الطريق إلى الحقيقة لها منازل يسلكها السائر، وهي:
1- الطرق العقلية ( الهداية أو الضلال ، االصواب أو الخطأ)
2- الفطرة : أ- الذكر حضور الدليل.
          ب- الذكر الدائم المعقولات المتحررة من الأوهام.
3- الوحي : أ- الرسل والأنبياء الوحي.
           ب قوة الروح الشهود الصريح.
لقد كان نسق الحقيقة عند ابن البناء مشبعا بالعلوم العقلية ، وخصوصا العلوم العددية والمنطق . وقد قسم الأستاذ محمد مفتاح هذا النسق قسمين :
1- نسق مغلق يقوم على أزواج ، ومراتب ، ودرجات . ومهما تنوعت أشكاله ، وتعددت التأليفات بين مختلف العلائق ، فهي تنويع لحقيقة واحدة ؛ وهي وجود الله وما عداه باطل.
2- نسق مفتوح : ما تم تأكيده من تناسب وجهات ومراتب هو ما يهتم به البحث العلمي المعاصر. وما يجمع بين القدماء والمحدثين هو البحث عن فهم الحقيقة . ومهما تنوعت مقاصد الباحثين قديما وحديثا فإن نواة الآليات الذهنية واحدة . وتحتم هذه الوحدة على مؤرخ الأفكار أن يأخذها بعين الاعتبار.
2-النص الطبيعي : الحقيقة الواقعية .
بعد أن حدد الأستاذ محمد مفتاح إشكاله في البحث عن ميتافزيقا الحقيقة قسم حياة برس إلى مرحلتين . دعا المرحلة الأولى بالمثالية ، والثانية بالواقعية مع التسليم بوجود مرحلة وسطى بينهما. وتنشطر المرحلة الأولى إلى ثلاثة حقب صغرى ، تأثرت على التوالي بالكانطية ، ثم بالرياضية المنطقية ، ثم بالتطورية . وتمتاز المرحلة الواقعية بالنزعة العلمية ، وبنقد الميتافزيقا ، وبتطوير المنهاجية الذرائعية. ومن سمات المرحلتين الانطلاق من فرضية اتصال الكون التي تستتبع مفاهيم الاتصال ، والانتظام ، والترابط ؛ ثم افتراض اقتطاع الوجود من حيث جهاته ، ومراتب علاماته ، ومراتب تأويلها ، ومراتب طرق الاستكشاف . وانطلاقا من تصور ميتافزيقي ورياضي حدد برس جهات الوجود ( الأولانية والثانيانية والثالثانية ) ، وضاهاها بثلاثية دلالية ( الممثل والموضوع والمؤول). في التراتب الكامل نجد أن الثالثانية هي المتحكمة في عملية التوليد ، وهي العنصر الإدراكي الذي يقع الانحلال عنه والتوليد منه . ويصنف التراتب الكامل لتتوضح قيود الترتيب ومظاهر الانحلال والتنامي . أما التراتب الناقص ، فيتكون من تأليفات في طور الإنجاز ، ويحتوي التراتبات المتعلقة بطرق أنواع الاستدلال وجهاتها ودرجاتها ، وأنواع المؤولات ومجالاتها ومناطاتها. استخلص بعض الباحثين من كتابات برس ثلاثة أنواع من الاستدلال ؛ وهي الاستنباط ، والاستقراء ، والفرض الاستكشافي . وكل نوع منها يتفرع بدوره إلى درجات . أما فيما يخص التأويل ، فهو يشمل مؤولات عديدة ، فيها ما يدخل في إطار تأويل الدليل بالدليل ( المؤول المباشر ، والمؤول الدينامي ، والمؤول النهائي ) ؛ وفيها ما يدخل في نطاق تأويل الدليل بالمؤول ( المؤول الانفعالي ، والمؤول الطاقي ، والمؤول النهائي). وقد قدم الأستاذ محمد مفتاح اقتراحات لملء بياضات نموذج البرسي ، وبين أنه يمكن توفير تماسكه ، وملء ثغراته ، بعدة مبادئ أولها مبدأ التدريج ، وثانيها المبدأ الميتافزيقي ، وثالثها تعديل النموذج بإضافة عنصر رابع .
3-النص : الحقيقة المشيدة .
نبذ الدرائعيون الجدد ( راسل و فيتجنشتاين و كرناب و كواين) والفلاسفة (كلاري ، وبوتنام ، وكودمن ، وروطي) مفهوم القيقة المطلقة ، وأفسحوا المجال للكائن البشري لتشييد الحقيقة ( حقيقة التراضي والتوافق والقبول ) ، وبناء مشروعه بنفسه ضمن حياة عملية . وهم ينتمون إلى إبدال مابعد الحداثة الذي يحوي تيارات فلسفية وعلمية ( التفكيكية والبيولوجيا والفيزياء وعلم النفس المعرفي ) تتفق في نظرية العماء ، وتسلم بوجود تفاعل بين الانتظام والعماء . وتقر نظرية العماء بوجود نظام وانتظام حقيقين انطلاقا من آليتي الطي ( جذب الجذاذب للممارسات المتقاربة) والنشر( تولد المسارات المختلفة والمتشعبة عن الشروط الأولية) . لقد تركت الاتجاهات العلمية والفلسفية أثرها في النصوص الإبداعية . يرى كثير من الباحثين أن الروايات الفيكتورية عبرت عن فكرة التقدم التي تتبناها البيولوجيا في القرن التاسع عشر ، ويرى باحثون آخرون أن رواية " الإكراه" لهنري جيمس كانت "سياحة عمياء". ولم يقتصر التأثر على المستوى التحليلي والإجرائي ، بل تعداه إلى المستوى الأنطلوجي والابستمولوجي الذي يهم التوازي بين النظريتين العمائية و التشييدية . جاءت نظريات الحقيقة المشيدة كرد فعل على الحقيقة المطابقة التي هي أسبق في الوجود ، وأقوى في الاستمرار.
خلال حقبة ماقبل الحداثة كانت الحقيقة المطلقة تعني انطلوجيا أن كل ما في الكون يستمد وجوده من حقيقة دائمة منبتة في مخلوقات الكون، والتي هي دلائل عليها أوعلامات أم مراسم . أما من الناحية الابستمواوجية ، فهي تفيد وجود مطابقة أو مماثلة بين الحقيقة وتمثلها . وخلال حقبة الاتجاهات الوضعية ، أضحت تعني منطقيا إثباتها بالرجوع إلى الواقع (المطابقة) ، أما تجريبيا فتعني أن المقولات مطابقة للواقع الطبيعي ( الاتجاه البيولوجي) ، وأن هناك تفاعلا بين ذاكرة الإنسان والظواهر المدركة لإعادة البناء والتشييد ( علم النفس المعرفي).
يستتبع استعراض مختلف الأطاريح والمنظورات عن الحقيقة مسألة الحتمية . لقد تضارب تصوران حولها ؛ أولهما تصورعلمي ينفي المصادفة وتدخل الغيبيات ، ويقر بالتفسير العلمي اليقيني لبعض الظواهر العلمية ، وثانيهما تصور ميتافزيقي يستبعد التنبؤ بالحقيقة بالوسائل العلمية . إن القول بالحتمية يعني الإقرار بحتمية المطابقة التي تتجلى في مظاهر مختلفة ، على نحو الطبيعة والإنسان والدماغ .
تثار مسألة الحقيقة بإلحاح في أوساط المؤرخين . وتتعدد التصورات حول تقويمها وتحديد معالمها . ومن بين هذه التصورات نجد الواقعية الميتافزيقية التي تقر بوجود حقيقة مطلقة يمكن التوصل إليها بالأدوات العلمية، ثم تيارات مابعد حداثية تنفي الحتمية والتنبؤ ، وتعتبر الحقيقة غير موجودة بصفة مسبقة أو نهائية ، ثم الواقعية العلمية التي تؤمن بنسبية معتدلة ناتجة عن تفاعل الذات مع المحيط ، وترى أن الموضوعية التاريخية أو التحليلية مشوبة بمواقف المؤرخ وانفعالاته وافتراضاته . ويستند هذا التصور الأخير إلى مشروع التقليد الذرائعي الأمريكي الذي أرسى دعائمه ش.س . برس وأتباعه.
قد يقال إن هذه المواقف مستوردة من الحقل الغربي ، وأنها انتعشت في حقل مخالف لشرطنا الحضاري . لكن هذا الزعم مردود من ناحيتين : أولاهما هي أن العربي جزء من الحضارة الكونية والأنساق العالمية التي يتفاعل معها، وثانيتهما هي الإقرار بوجود جوهر واحد ( تضمن الذهن البشري للآليات نفسها) وبدور المجتمع في برواز الفوارق الحضارية ( هذا متقدم ، وهذا في طريق النمو).
4-شبه النص : الحقيقة العلمية.
يقصد بشبه النص الـتأريخ الثقافي ، وهذا ما يستدعي تجزئة المراحل ، والتركيز على المفهومين الجوهريين المتحكمين فيها ؛ وهما الاتصال والانفصال . تبنى الأستاذ محمد مفتاح تحقيبا ديناميا للثقافة المغربية ، أملته ظروف عالمية وجهوية وداخلية . وتوجد نواة موجهة تتحكم في زمام الحقب رغم اختلاف ظروفها السياسية والاجتماعية . ويعتبر الاتجاه السائد التحقيب معطى يتحدد بالمواضعة الاجتماعية والأدبية ، ويخدم مقاصد إيديولوجية ، ويضطلع بوظائف اجتماعية ، وذلك على عكس الاتجاه الاسطغرافي الذي يراهن على وصف الحقيقة كما كانت عليه بنوع من الموضوعية . تضرب قضية الانفصال / الاتصال بجذورها في التاريخ ، إذ كان هناك طرف يعتبر أجزاء الكون متناغمة ، ويقابله طرف يعتبرها منفصلة . وانضافت إليها مفاهيم مابعد حداثية على نحو الاستمرار والنسق واللانسق والنظام والتشتت والانقسام والتطور السريع. إن مفكري وفلاسفة مابعد الحداثة تعاملوا مع هذه المفاهيم العلمية بكيفيات مختلفة ، ووظفوها في مجالات معرفية شتى . وحصر الأستاذ محمد مفتاح مختلف المواقف في مسألة الاتصال والانفصال في ثلاثة ؛ وهي موقف القطيعة المطلقة ( بودريار ومدرسته) ، وموقف الاتصال المتطور ( تيار مدرسة فرانكفورت) ، وبينهما يوجد موقف التوسط ( ميشيل فوكو).
مما تقدم نلاحظ أن مفتاح يبحر في شطآن غربية ، ومُبرِّراهُ في ذلك الإيمان بمبدأ الشمولية ( اشتغال المفاهيم الكونية بكيفية متطابقة ) ، ومراعاة مبدأ الخصوصية ( احترام طبيعة كل ظاهرة محللة ). وفي إطار هذه الجدلية بين الكوني والخصوصي ، يقدم تحقييا للثقافة المغربية ، معتبرا إياها نسقا ديناميا يتفاعل مع المحيط ، ويسير في شكل دوري ، وينتقل من العماء الحقيقي إلى الانتظام فإلى عماء منظم ناتج عن تسارع التطورات ؛ ومحددا حالاتها الأولية التي تتشخص في شكل نواة موجهة لسيرورة الزمنية عبر حقب متعددة ( الجهاد أو الاصطدام مع الأجنبي). قد يسخط بعض المؤرخين على هذا النوع من التحقيب لكونه اختزاليا في معالجة ثقافة ثرة ، وممتدة في الزمان والمكان . لكنه يتضمن خلاصات ويقدم عبرا ؛ وتكمن في وجود ناظم بين مختلف الحقب ، وضبط مقدار التحولات ، وتوظيف مفاهيم شمولية فعالة ، وتشييد حقائق عملية لفهم الماضي واسشراف آفاق المستقبل([2]).
5-التناص : الحقيقة الجمالية.
إن الحقيقة الجمالية مكتفية في الشعر ومودعة فيه . وبتعدد المقاربات تباينت الزوايا والمستويات لفهم هذه الحقيقة . وإذا تشكل برج بابل من التعددية المنهجية ، فإن لكل باحث منارته الخاصة به يطل منها لفهم الخطاب الشعري، وأبعاده الانتربولوجية ، وشرطه الإنساني . وتستند رؤية الباحث محمد مفتاح إلى تجاوز الثنائيات المختزلة والمبتسرة ، وإعداد مخطط معالمه الرئيسية من السيميائيات والدليلية ، وتدقيقاته من علم النفس المعرفي ونظرية العماء ، وإثبات التعالقات بين عناصر الكون ؛ ومنها التعالق بين عناصر النص . وانطلق من منهاجية دليلية ترتكز على مفاهيم جوهرية ومفاهيم متدرجة منها، وتشتغل على متن محدد مكون من دوانين للشاعر رفعت سلام ؛ وهما: " إنها تومئ لي " ثم "وهكذا قلت للهاوية" .
وسع الأستاذ محمد مفتاح الدليل البرسي ليشمل ما يحويه الكون ، ومقسما إياه إلى دليل أكبر ( جماع من التراتبيات والبنيات المنبثقة عن الوحدة) ودليل أصغر (اضطمام العناصر في تعالقات منظمة). ونظر إلى الدليل في علائقه المتدرجة (التطابق والتداخل والتحاذي والتباعد والتقاصي ) ومن خلال درجاته (النص الواضح والنص البين والنص الظاهر والنص المحتمل والنص الممكن والنص العمي). وفيما يخص المدلول ، قدم الأستاذ محمد مفتاح إستراتيجية قرائية ، ودرجات تأويلية ، واستبدل الدلالة العامة للنص ب"القلب" ( قلب المعاني السائدة ، وقلب المفاهيم المتداولة ، وقلب تراتب الجمل ) . وتعامل مع الدال بوصفه أيقونة ومؤشرا ورمزا ، وهذا ما جعله يعالج لعبة البياض والسواد ، وجدلية التوازي الظاهر والتوازي الخفي . إن الكشف عن التدلال المرجعي يحتم التعامل مع العلاقة بين الخطاب الشعري و بين المرجعية بكونها ضرورية وطبيعية ، وليست اعتباطية . وتم التدقيق في هذه العلاقة بوضع مفاهيم متدرجة ؛ وهذه المفاهيم هي الأيقون المطلق والأيقون المتماثل والأيقون المتشابه والتعالق والتعاقد والتواطؤ.
مما تقدم يتضح أن الأستاذ محمد مفتاح ارتكز على منهاجية تدليلية موسعة ومدمجة ، وهو ما يمكن أن نعاينه من التوليف بين مفاهيم ممتوحة من مناهج وحقول معرفية متعددة ( السيميائيات ، وعلم النفس المعرفي ، ونظرية العماء ) . كما أنه اضطلع بتعديل وتحوير بعض منها ( على نحو توسيع مفهوم الدليل ليشمل الدال والمدلول والتدلال المعنوي والتدلال التداولي المرجعي) وتجاوز انبنائها وتعالقها في ثنائيات مختزلة باقتراح تدريجات وتقسيمات سداسية ، وبرهن على إمكانية البحث عن النظام وراء مظاهر الفوضى والعماء ، واستخراج القوانين الشمولية التي تتحكم في الكون.
6- النصنصة ( أوالنص المركب ): الحقائق المتعددة.
يطرح كتاب الحب لمحمد بنيس ( كغيره من النصوص المعاصرة) إشكالية التجنيس لكونه توليفا بين نظامين سميائيين متباينين ( الشعر والتشكيل). وهذا ما يصطلح عليه الأستاذ محمد مفتاح بالنصنصة التي يحدد شكلها مضمونها ، وتعين بنيتها وظيفتها . وتقوم ميتافزيقا النصنصة على إمكانات النمو في مسارات مختلفة . وهي هنا مشيدة على نظامين ؛ أحدهما يختزل المتعدد ( التشكيل) ، وثانيهما يفصل الموحد ( الشعر) . وتداخلهما يفسح المجال لكل طرف بأن يفسر ويؤول الآخر، ويعضد التعبير عن رسالة مشتركة ؛ وهي مأساوية العالم العربي على وجه التحديد. وقدم الأستاذ محمد مفتاح ترسانة مفاهيمية لتوصيف الأنظمة السيميائية المركبة . وهذه المفاهيم هي : التطابق ( الاستنساخ) ، والتحاذي ( محافظة المستنسخات على بنياتها دون أن يلحقها أدنى تغيير) والتداخل ( تحوير وتغيير النصوص المضمنة) والتفاعل ( تماسك النصوص واتساقها كما لوكانت نصا واحدا ) والقلب ( تصوير الرسالة لوضع مقلوب). ويخلص الأستاذ محمد مفتاح إلى أن وراء فوضى الكتاب وتشتته وانقطاعه تكمن خاصية النظام والانتظام ، وبين أن المابعد حداثي في العالم الغربي يرى أن العماء تَجَل لبنيات مركبة ومعقدة ، في حين أن الرسام والشاعر العربي يعيشان في عالم ماقبل حداثي موسوم بعماء من نوع خاص.
أكب محمد مفتاح في كتابه مشكاة المفاهيم(2000) على تبيان طبيعة الخيال وتطوره، وإبراز دوره باعتباره عاملا وسيطا بين ثقافتين أو طرفين متباينين. وهذا ما حتم عليه ، في ضوء النقد المعرفي والثقافي، إقامة مقارنات ومقابلات بين الثقافات التي تفاعلت معها الثقافة العربية. واستنتج منها، بعد تحليل عينات بلاغية وشعرية ونثرية، وجود ثوابت مشتركة بين هذه الثقافات في نظرتها إلى الخيال بقطع النظر عن عوامل التأثير والتأثر وظرفياتهما.
تبنى محمد مفتاح التحقييب الثلاثي ( ما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة) لرصد مفهوم الخيال في الثقافة العربية. وفي هذا الصدد بين، في إطار نموذج ما قبل الحداثة، طبيعة التصورات الدينية والفلسفية التي كان لها تأثير في نقاد العرب وبلاغتهم ومتفلسفتهم وأصولييهم . " وهي تصورات وضعت قوانين وقيودا للخيال مثل تقارب الأجناس والألفة والانضباط، وعدم وجود الفارق، والاطراد وعدم الإخلال بالإوليات الدينية" ص274.
ومثل، فيما يخص نموذج الحداثة، بشعر علال الفاسي الذي يتمحور، وإن كان مزيجا من تيارات فكرية متضاربة، حول الله والإنسان. واختار، فيما يخص نموذج ما بعد الحداثة، عينات من دوواين شاعيرن معاصرين ( أدونيس ومحمد السرغيني) للتدليل على تشظي الخيال وانعكاسه في مرايا منكسرة ومحدودبة.
استند محمد مفتاح إلى مفهوم ( الميكانيزم Mechanism (e)) لتحليل ظاهرة المثاقفة المعقدة، فجزأه إلى إواليات وآليات وآلات.
أ-الإواليات: خصص محمد مفتاح الإواليات للحالات الذهنية والمعتقدات والرغبات التي تعتمل في الذات أثناء تعاملها وتفاعلها مع ثقافة الآخر. وهي تتحقق بدرجات متفاوتة حسب مواقع الأشخاص ومؤهلاتهم. وفي هذا الإطار، اعتمد على مفاهيم معينة أو نحت أخرى مانحا لها منازل جديدة. ومن ضمن هذه المفاهيم نذكر أساسا القولبة ( ما يقابل النظريات والملكات، وما يسد حاجات وضرورات الثقافة المستهدفة دون احتراس أو احتراز) والتمثل ( قدرة الثقافة المستهدفة على تعريب أو تهويد أو فرنسة المقترض) والتكيف ( تحوير ثقافة الآخر لتحقيق مزيج جديد) والتحصن (الحرص على عدم الذوبان والتيه في ثقافة غيرية) والتطرف(الذوبان في ثقافة الغير وهجران الثقافة الأصلية) والمحيطية(دور المحيط في خلق مميزات الإنسان وسماته).
ب-الآليات: يعنى بها الاستراتجية العملية التي يخططها المثقف لإدخال الثقافة الأجنبية إلى ثقافته، وخلق معطى ثقافي جديد. وهي تقوم على التطابق والتفاعل والتحرز والقلب.
ج-الآلات: يقصد بها توصيف ظاهرة التناص ، وخاصة علائق النصوص الشعرية. ولهذا اقترح مفاهيم خاصة بعلائق نصوص شاعر معين، وهي التعضيد والتخذيل والتدخيل والتهميل.
للتدليل على تعامل محمد مفتاح مع هذه المفاهيم نقدم عينات تمثيلية من تحليلاته وفق التحقييب الثلاثي : التناظر بالخيال في رحلة ابن بطوطة ( ما قبل الحداثة) ثم التنظير بالخيال الخلاق في شعر علال الفاسي ( الحداثة) ثم الخيال المتشظي في شعر أدونيس (ما بعد الحداثة).
أ-ناقش محمد مفتاح الخيال في رحلة ابن بطوطة في ضوء مطابقته للواقع أو مجانبته. وبما أنها تشتمل على كثير مما لا يقبل الإمكان العقلي والطبيعي معا، فقد درّج الحقيقة إلى مراتب:
-الحقيقة المطابقة:تجاوز محمد مفتاح النظرة الوضعية التي تحرص على مطابقة الكلام للأشياء، واهتم بمستويات الخطاب في الرحلة لفهم بعض الأمور الواردة فيها ضمن نوع الخطاب الذي يؤطرها. لقد تعامل البعض مع المعنى الحرفي لأرض الظلمات. في حين أن هذا التعبير رمز يقصد به بلاد الكفار.
-الحقيقة التقريبية: تفرضها الطبيعة البشرية واللغات الإنسانية. وهي ناجمة عن انتقائية الذاكرة وصنيع ابن جزي.
-الحقيقة الإمكانية: ما حكاه ابن بطوطة يندرج ضمن باب الاحتمال والإمكان. ويصنف محمد مفتاح هذا النوع الخطابي إلى فئتين: أحدهما المناقب وثانيهما الحكايات والخرافات.
-الإيهام بالحقيقة: انطلت على ابن بطوطة أحيانا كثير من الشعوذات والأكاذيب والأوهام خاصة لما يصاب بالإعياء والإجهاد أو يتعذر عليه التمييز أو يقيم بمقايسة خاطئة أو يصدق ما تراءى له في الحلم ( على نحو رؤية الناس وهم يبايعون النبي في مكة).
ويتضح مما سبق أن " مستويات الحقيقة تابعة لمستويات الخطاب. الحقيقة " المطابقة" مرتبطة بالأسلوب الوصفي للأماكن والوقائع والأشياء، إذ يمكن القيام ب" مطابقة" بين عالم اللغة وعالم الواقع؛ ومستوى الحقيقة التقريبية الذي هو جوهر كل خطاب مهما كان نوعه وصنفه؛ ومستوى الحقيقة الممكنة التي مجالها المناقب والكرامات والحكايات الشبيهة بها، وهو ذو وظائف معينة؛ ومستوى التوهيم بالحقيقة الذي ينعكس في الخطاب الإيهامي؛ على أن هذه المستويات جميعها تقدم " معارف" و" حقائق" عن المحيط والمجتمع والفرد والإنسان" ص143.
تحكمت في رحلة ابن بطوطة الفطريات ( ما فطره الله الناس عليه) والمحيطيات ( ما يجعل المرء ينصرف عن جادة سلفه). وهذا ما جعله يغلب إواليتي التكيف والتحصن على حساب الجديد الذي لم يتحقق بسبب عاملين اثنين وهما: المقايسة التي حدت من قيمة المعلومات وفرضت النمطية والمكرور والمألوف، وثانيهما محدودية قدرات الدولة المرينية.
ب- ينطلق محمد مفتاح من فروض وجودية ومقصدية ومنهاجية لدراسة شعر علال الفاسي من منظور نسقي. يقوم فكر علال الفاسي على أسس ثابتة: وهي الإيمان بالله (الإواليات) والفطريات( الدين الإسلامي دين فطرة) والظرفيات( ضرور إصلاح أمور الأمة لتحويل الطبيعة إلى فطرة سليمة). ويحفل شعر علال الفاسي بالألوهية ( الغاية التي خلق من أجلها الإنسان) والحرية ( الإسلام الفطري هو الحرية والعدل والعقل) والإصلاح ( إرجاع الإنسان إلى فطرته السليمة). تعرف علال تيارات فكرية متعددة أكانت عربية أم غربية. وتحكمت في هذا التفاعل الإواليات الآتية:
-إوالية التمثل:أدمج علال في شعره ما تمثله في ثقافات أخرى، وخاصة ما تعلق منه بالإسلام في بعده الإنساني ( الإيمان بالله والحرية والعدالة والمساواة).
-إوالية التكيف: جمع علال بين الأصالة والمعاصرة، وراعى الثوابت والمتغيرات.
-إوالية التحصن: ما يحصن هو الإسلام النقي : إسلام الكتابة والسنة وكل ما هو فطري.
-إوالية الرفض: يقبل علال ما يزكي مكارم الأخلاق ويرفض الإلحاد والشرك.
علاوة على الإواليات العامة توجد آليات خاصة بالخطاب الشعري. وفي هذا الصدد اقترح محمد مفتاح مفاهيم لإبراز كيف تفاعل شعر علال الفاسي مع شعر غيره. وهي على النحو الآتي:
-آلية التطابق: نظرة لسعة محفوظ علال الفاسي فهو كان يضمن قصائده نتفا منتقاة من الشعراء المجيدين أيا كان عصرهم ومذهبهم
-آلية التفاعل: تفاعل علال الفاسي مع قضايا عصره ونوع البحور والقوافي.
-آلية التحرز: لم يتقيد علال الفاسي بمواضيع محددة، إذ كان غرضه نبيل يهدف إلى ترقية الإنسان وتكريمه.
-آلية القلب: كان علال يرفض ما كان مناوئا لمكارم الأخلاق الإسلامية.
إن التنويع ( التوالد) يمكن أن يكون تنويعا خارجيا( التناص الخارجي) أو داخليا( التناص الداخلي). وفي هذا الصدد اقترح محمد مفتاح الآلات التالية:
-آلة التعضيد: تتضمن قصائد علال الفاسي كثيرا من المواضيع والسمات المشتركة.
-آلة التخذيل: وتقوم على مناقضة المعنى وقلبه. ومن النصوص التي تتجلى فيها هذه الخاصية معارضته لأمثال لافونطين.

-آلة التدخيل: تقوم على التفاعل والتكيف بالاستناد إلى إرث مشترك مثل البحر والقافية والموضوع.
-آلة التمهيل: كان علال يحترس من القضايا المشوشة على الأمة والأفراد، ويهدف إلى استخلاص العبر وإصلاح الأمة.
إن النماذج، المثبتة أسفله، تؤدي دورا في تعميق النظر إلى الظواهر الثقافية، وإبراز الأبعاد التي تتحكم في شعر علال الفاسي . وهي تتلخص في الإسلام و في الإنسان وفي الدعوة إلى وحدة الدولة والأمة.

التثاقف

التناص

 التوالد

إوالية التمثل

آلية التطابق

آلة التعضيد

إوالية التكيف

آلية التفاعل

آلة التدخيل

إوالية التحصن

آلية التحرز

آلة التمهيل

إوالية الرفض

آلية القلب

آلة التخذيل


ج- إن كان مفهوم المرآة تلخصه الاستعارة التالية: الخيال مرآة؛ فإن مفهوم الخيال لدى ما بعد الحداثة تلخصه الاستعارة الآتية: الخيال مرايا منكسرة حيث صورة تعكس صورة تعكس صورة إلى ما لانهاية. وينجم عن هذا الانكسار تناسل التشظيات والفوضى والمتاهات والتوهيمات. تتواتر في " المسرح والمرايا" مرايا متعددة منكسرة تعكس بعضها بعضا، وتصور فضاءات محدودبة وأوهام وخيالات. ومن بين الصور التي ركز عليها أدونيس نذكر أساسا : صورة زمان العجز والكساح، وصورة الإبادة، وصورة الفقر والفاجعة. إن مجمل رؤى الشاعر في " المسرح والمرايا" مضمنة في " أبجدية ثانية" في شكل جديد من الإخراج والصياغة، وعليه فإن ما يسود في هذا الديوان هو المفارقات في مختلف تجلياتها وأصنافها: مفارقة اللغة( إعادة تأمل طبيعة اللغة ووظيفتها) ومفاقة الحقيقة (انهيار الحقيقة وسيادة العماء الشامل) ومفارقة الخيال(التشبث بأهذاب الخيال وإن استحال إلى شظايا ونثرات وهباءات) ومفارقة التاريخ(مرقعة من الأماكن والمواقف والأفعال والأزمنة) ومفارقة النص( التشذر والتشظي) ومفارقة الشكل(الجمع بين متناقضات الوجود). إن هذه المفارقات تعكس وحدة ضمنية . و" هي ما يتجاوز التفكير المنطقي ويعبر عنها الشعر؛ إن الشعر ضد المنطق، وضد تحكم الآلة، ومع الخيال" ص 239.
-ضد المنطق: تسعف الآليات الشعرية على التوليف بين الأشياء المختلفة والمتناقضة. وقد ازداد توتر الشعر ضد المنطق لدى تيار ما بعد الحداثة الذي هو امتداد للأفلاطونيات والنزعات الإحيائية ومتصوفة الإشراق. " وأدونيس ابن بار لكل هذه الاتجاهات. ومن ثم جاءت أشعاره مرآة لها" ص 240.
-ضد عبادة التقنية: تبرز كثير من عينات شعر أدونيس مضار عهد ما بعد الصناعة.
-ضد موت الخيال: أحيا أدونيس، رغم انتمائه إلى تيار ما بعد الحداثة، التقاليد الرومانسية والمثالية التي اعتنت بالخيال وأعلت من شأوه وشأنه.
مما أثار محمد مفتاح في الدوانين هو إبراز الإواليات النفسية التي تحكمت في تعامل أدونيس وتفاعله مع ثقافة غيره. وهذا ما جعله، إثر تهجين ثقافات مختلفة، يعيش في مفارقة رؤيوية : أولاهما تكمن في تصوير الواقع السديم في شكل صور ومرايا متشظية، وثانيتهما تتجلي في الحرص على تجاوز عدمية الوجود وعبثيته ومتاهته." إن تهجين الشاعر بين المتقابلات جنبه أن يتخذ أصلا يقيس عليه، سواء أكان عربيا إسلاميا أو غربيا، مما يجعل عملية التثاقف غير مجدية" ص 243.
إن ما قدمناه هو "غيض من فيض" ، بحيث أن المشروع النقدي والفكري لمحمد مفتاح يحتاج إلى مبحث مستفيض للكشف عن الآليات والضوابط المتحكمة فيه. ومع ذلك سنحاول في عجالة ملامسة بعض الثوابت التي ينبني عليها على المستويين التزامني( العمودي) والتطوري( الأفقي).
1- المستوى التزامني: يتعامل محمد مفتاح مع مناهج متعددة، رغم ما يتطلب منه ذلك من جهود مضنية ومتواصلة لتذليل المعضلات المعتاصة،وللإلمام بكل منهج على حدة، والتعرف على توجهاته ومبادئه وأسسه الابستمولوجية. وقبل تشغيل المفاهيم ، يعرف بالمنهجية والظرفية التي تبلورت فيهما، ويغربلها ويفحصها لبيان ملاءمتها الابستمولوجية ومواطن ضعفها وقوتها، ويكشف عن مرجعياتها الفكرية والفلسفية ، ويسهم في إعطائها وضعا اعتباريا جديدا بالتوسيع والتلقيح والتعديل.وما يحرص عليه هو أن تكون منتجة، وذات مردود ، ومشيدة على أسس متينة في الحقل الذي وظفت فيه. يتجشم مختلف المشاق المنهجية من تطويع وتلئيم وتظهير قصد تشييد تصور شامل لتحليل النص ، وصياغة نموذج ملائم لمعالجة الخطاب الشعري في تعقده وشموليته.وهكذا عمل مفتاح على ابتداع نموذج قابل للتطوير والتعديل والتوسيع تبعا لما تعرفه التراكمات المعرفية والمنهجية من تطورات سريعة تمس طبيعة النص ووظيفته داخل المجتمع.ولم يكتف بإضافة عناصر إلى هذا النموذج (المثبت في تحليل الخطاب الشعري ص169،وفي دينامية النص ص54،وفي التلقي والتأويل ص87)،والاستغناء عن بعضها،بل استثمرها في التحليل مبرهنا على العلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة. يقوم النموذج المستمد من بنية الشعر الشديدة التعقيد على محورين، أحدهما أفقي وثانيهما عمودي.فالنص ينمو بطريقة أفقية حسب آليات معينة مثل أدوات الربط والمعجم والأصوات والاستعارات والكنايات. وهذا الترابط الأفقي يمكن أن يقسم بدوره إلى نوعين:أحدهما خاص،وهو الذي يبحث فيه لسانيو الخطاب.وثانيهما عام،وهو ما ينطلق من ثوابت قليلة مفترضة يبرهن عليها بقراءة النص قراءة متعددة قائمة على حفريات في اللغة مما يؤدي إلى علاقة أفقية شاملة. كما أن النص يتوالد بطريقة عمودية متدرجة من العام إلى الخاص مما يسمح بالاستدلال الغيابي، ومبنية على مبادئ المقصية - المجتمعية والتملك والتفاعل. ويمكن أن يستوعب مبادئ اخرى على نحو التوليد والتحويل والانسجام والزمان/ الفضاء.لكنها تكون عمودية بالنسبة إلى عناصر الخطاب الشعري التي هي: الأصوات والمعجم والتراكيب والمعنى والتداول.وبما أن هذه العناصر ليست خاصة بالخطاب الشعري،فالأمر يقتضي تحديد ما ينماز به كل خطاب من خصائص بنيوية مميزة. وما يلفت النظر في مؤلفات مفتاح أنها تتضمن بعض المحيلات التي تؤكد مدى ترابطها وتكاملها وإصرارها( بخاصة الإحالات البعدية) على مواصلة مشوار البحث عن نموذج متكامل لتحليل النص و" اكتشاف الآليات التي تحكم الثقافة العربية"([3]).وبرجوعنا إلى النماذج المقترحة والمستثمرة في التطبيق ، نلاحظ أن مفتاح دائم الاطلاع على المستجدات المنهجية والمعرفية، ومحصن بالأسئلة الابستمولوجية الملائمة لتحديد خلفيات المناهج والتركيب فيما بينها،ولدفع الأغلوطات التي تنفي صيرورة الحقيقة وتستبعد الشروط المجتمعية والتاريخية، وللمزج بين مكتسبات العلوم الصرفة والعلوم الإنسانية، ولتجاوز مخلفات " الأممية البنيوية"، وللكشف عن الثوابت الكونية والإنسانية المتحكمة في العقل البشري، وللتمييز بين أجناس الخطاب وأنواعه وأصنافه، ولترميم بعض الصروح النظرية حتى تكون مسايرة لروح العصر وتتدارك نقائصها وثغراتها.إن المناهج المترابطة نسقيا، تعمل على إضاءة مختلف جوانب النص من زوايا متعددة وبطريقة تفاعلية متأرجحة بين مقتضيات الأحوال( المقصدية، التكييف، الشروط المجتمعية والبيولوجية والنفسية للذات المنتجة والمتلقية،جمع المعرفة وبناؤها واستخدامها، تشغيل الخلفيات المعرفية، ضبط قواعد التأويل ، التعبير عن ثوابت كونية،الحوار الخارجي...) وبين دينامية النص(تنمية النواة الدلالية، السالبية، التماسك، التوازي، التشعب ، الرمزية الصوتية ،الفضاء/الزمان، التشاكل، الحوار الداخلي ، الصراع، التدرج ، التشابه ...)؛وبين المبادئ الكلية والمبادئ الخاصة لبيان فرادة الخطاب وخصوصيته ولتمييز الشعر الراقي الذي تتناغم جميع عناصره في بنية متراصة من الشعر العادي الذي يبرز فيه عنصر على حساب العناصر الأخرى.
2- على المستوى التطوري:
أ- تبنى محمد مفتاح في كتابيه الأخيرين المنهاجية الشمولية Holiste ;Holistic([4]) أوالمنهاجية النسقية Systémique أو المنهاجية الماكروسكبية Macroscopique .وهي منهاجية جديدة فرضها المنطق التطوري للعلم الذي " انتقل من الواقعية المادية ( التصور الميكانيكي للذرة) إلى الواقعية الرياضية ، أي التفكير في الواقع كله من زاوية انبنائه وانتظامه الرياضي العلاقي" ([5]). لقد جاءت هذه المنهاجية لتقويض المنهجية التحليلية Analytique التي تفصل مابين العناصر والمعطيات وتركز اهتمامها على دقة التفاصيل والجزيئيات،والنظرة المقولية التي تفرض حواجز فاصلة طبيعية موجودة مسبقا،والنزعة الوضعية التي تقر باستقلال الكائنات والأشياء بعضها عن بعض ،والنظرية الذرية Atomisme التي" اعتبرت الذرة مجالا كهرطيسيا صغيرا ، وعممته على المجال الكوني الكهرطيسي الكوني الكبير. ودعي هذا النموذج الأول بالنموذج الكوني، وواضعه هو العالم الانجليزي رذرفورد(1871-1837) الذي شبه فيه الذرة بمجموعة شمسية تحتل النواة مركزها ،وتسبح الالكترونات حول النواة مثلما تسبح الكواكب حول الشمس"([6]).لا يعتبر جول دو روزناي Joël de Rosny الرؤيا النسقية نظرية أو علما أو أداة كباقي الأدوات ،بل أداة رمزية مكونة من مناهج متعددة،ومن تقنيات مستعارة من ميادين مختلفة([7]). وهي مقاربة موحدة وعبر ميدانية، تمكن من تجميع وتنظيم المعارف بغرض ضمان فعالية أكثر للفعل([8])،وتحليل تعقد الظواهر المجتمعية والكونية.تكشف المقاربة الشمولية عن قصور الانسان للإلمام بمجالات وميادين معرفية متعددة.لكن أهميتها تكمن في حفز الإنسان على غزو ميادين جديدة لمتح منها معلومات ثرة تسهم بدون شك في توسيع وإغناء مقاربته للكون.إن التعددية المنهجية التي تبناها مفتاح بصبر وجلد،أفضت به إلى نسقية الثقافة. وهكذا شغل ما تراكم لديه من مناهج وتقنيات ومفاهيم لإيجاد البنيات المتناظرة والمتشابهة التي تتحكم في الأنساق الثقافية تزامنا وتطورا. وإن كان يتبنى المفاهيم الأساسية للنظرية العامة للأنساق (التفاعل، الغائية، الانتظام)، فهو يطوعها -انسجاما مع رؤيته للعالم واستحضارا للشرط التاريخي والاجتماعي - للنظر" إلى الإنسان من حيث هو روح وعقل، ومن حيث أنه يعيش في محيط يتأثر بت ويؤثر فيه" 213. وتقوم إستراتجية مفتاح النسقية على المداميك الثلاثة التالية:
1-تعاملت مع نسق واحد لبيان ما يتوفر عليه من آليات تضمن استقراره وانتظام عناصره وتفاعلها الدينامي(أنموذج كتاب البصائر وشعر ألشابي).وفي هذا الصدد استخدمت تقنيات التنضيد والمحيلات والتوازي والتشاكل لإثبات اتساق النص وتماسكه ،وللبرهنة على الثوابت الإنسانية،ولنفي أطروحة التشتت
2- أكبت على تحليل الأنساق الثقافية المتداخلة ( المنطق الصوري، الأصول، النحو، النقد الشعري، الرياضيات...)، وبيان الغاية المتوخاة منها والمتمثلة في الدفاع عن وحدة الأمة وفي توظيف الآليات " الكونية الإنسانية".وبالرغم من تغليب نسق ثقافي على مثيله ،فهو يبقى في الآن نفسه مرتبطا بها لأغراض تأويلية وتقعيدية ومحافظا على استقلاليته ومرتبته داخل النسق العام.
3- أعادت تحقيب الأدب المغربي ارتكازا على لا تكافؤ الأنساق،وعلى افتراض وجود نواة موجهة وهي الدعوة إلى الاتحاد والجهاد، وعلى التعامل مع الثقافة بوصفها أنساقا دينامية ممتدة في أمد بعيد، تجمعها روح تعكس الصراع مع الأجنبي لضمان التوفيق والوحدة.
نقل محمد مفتاح المبدأ العام للنظرية النسقية إلى مجال خاص هو النسقية الثقافية. ولم يقصر هدفه على استنتاج مبادئ التنسيق المتحكمة فيها، بل تعداه إلى إعادة قراءة التراث بواسطة الاستدلال بالمقايسة وبالمخالفة حتى يتمكن الإنسان العربي المسلم من ربط الحاضر بالماضي، وتخليد سجيته،والوعي بأهمية الاختلاف في الحياة اليومية.وما يلفت النظر أنه وظف مفاهيم علمية ومنطقية لتحليل الظواهر الأدبية؛اذ بين مدى خضوع عناصرها ومكوناتها المترتبة والمتدرجة لمركز جذب يرسي دعائم الانتظام.إن الترتيب الخطي على سبيل المثال يتلاءم مع روح الثقافة الإسلامية التي تسلم بوجود إله خالق كل شيء، وتقيم ترابية بين مختلف المخلوقات التي هي الملائكة فالإنسان فالحيوان فالنبات فالجماد.يتوسع محمد مفتاح في تصنيف القدماء للعلوم وترتيبها.وللإيضاح نكتفي بالتمثيل بتراتبية من التراتبيات الممكنة في البصائر ، وهي تراتبية العلوم وأهدافها (1996،ص70-74).إن العلوم تفيض من منبع واحد، فتتكامل بالوحدة وتختلف بالكثرة. ومهما تنوعت الأصناف فهي تشترك في تحقيق سعادة البشر،ومراعاة التدرج والترتيب من أسفل إلى أعلى لمراعاة الفائدة والثمرة والموضوع والصورة .لقد صنف أبوحيان التوحيدي العلوم إلى ثلاثة: علوم دخيلة ،وعلوم شرعية،وعلوم لغوية، وأخضعها إلى تراتبية متوجة ومكللة بعلم معين،وجعل التصوف "تاجا على رؤوس كل أصناف العلوم ومجمعا لثمراتها"ص72.بني التوحيدي تصنيفه للعلوم على أساس الترابط للاضطلاع بوظيفة جوهرية مشخصة في الفعل الواحد النافع ، والخضوع لمبدأ التدرج الذي يقتضي أنه كلما اقترب صنف من المصدر إلا وازداد كمالا وكلما انزاح عنه انحط عن الكمال،و تشرب كل علم الى درجة ما بالأخلاق مهما كان جنسه وصنفه، وإثبات وجود الله باري الكون ومبدعه الأعظم .ويبين مفتاح أن انبناء بحثه على التراتبية المتفتحة والمتنورة،كان لغرض "إثبات مركزية ما ضمانا لوحدة الأمة والوطن خوفا من التشرذم والحروب الأهلية ريثما تنتشر العقلانية بين أفراد المجتمع... فمن أراد أن يحرق المراحل في هذا الشأن فإنه يحرق نفسه؛ ومع ذلك لابد من الاستفادة من المفاهيم العلمية لما بعد الحداثة. ولذلك فقد وظفنا "التفاعل" و"العماء" واللانظام".ص87.
ب- يمكن أن نلاحظ ما يلي من سعي محمد مفتاح إلى ضبط المفاهيم الإجرائية واقتراح أو نحت مفاهيم جديدة لوصف الظواهر المعاينة بلغة واصفة دقيقة.
1- مفاتيح العلوم مصطلحاتها ومفاهيمها . فبواسطتها يتوسل الباحث إلى منطق العلم ويتوغل في مساربه التيهاء . " فمن ظن أن العالم قادر على أن يتحدث عن العلم بغير جهازه المصطلحي ، فقد ظلمه ما لا طاقة له به إلا أن يتواطأ على امتصاص روح العلم وإذابة رحيقه ، وهذا لمما يصدق على كل معرفة تحتكم إلى أواصر العقل "([9]) . ومن ثمة تتضح العلاقة الوطيدة بين المصطلحات والعلم ، ويتبين أنه لامناص من الوجاهة المعرفية والقدرات اللغوية في معالجة المعضلة المصطلحية ، وتحديد المفاهيم ، أو نحتها ، أوسبكها ، أو اقتراضها بدرجات عالية من الدقة والحصافة . وبعد سلسلة من المؤلفات القيمة دخل الأستاذ محمد مفتاح غمار التنقيب أو الكشف المفهومي . لا يتبع فيه المعيار التصنيفي المشيد على نسق الحروف الهجائية ، وإنما يتوسل بكل الحقائق العلمية والمنهاجية لضبط مفهوم مركزي ، والإحاطة به من زوايا ومنظورات متعددة بالتحليل والنقد . ولا تجدي في الكتاب([10]) القراءة بالطفرة ، لأن قضاياه تتشابك وتتداخل ، وتسير - من فصل إلى آخر- في وتيرة متسلسلة ، وإيقاع تصاعدي. وبما أن الأستاذ محمد مفتاح أصبح الآن يدافع عن مشروع نقدي تتمفصل آلياته في حلقات متواصلة ومتداخلة ، فإنه لامناص للقارئ من معاودة قراءة مؤلفاته لضبط قضاياها ومفاهيمها ومنهاجياتها ، والاستنارة بما هو سابق لفهم اللاحق.
قدم الأستاذ محمد مفتاح صنافة مفهومية تشييدية تنطلق من مفهوم مركزي (النص ) لتبديد التشويشات والاضطرابات ، وعرض الترتيب التالي : اللانص ( النص الكوني والنص الطبيعي ) ، وشبه النص ، والتناص ، والنصنصة . ومن خلال هذا الكشف المفهومي ، يتبين أن الأستاذ محمد مفتاح تقصد معالجة النص من زوايا متعددة ، والتعامل معه كنسق في حد ذاته ، وفي علاقته مع أنساق سيميائية أخرى ، ومع المحيط ، وضبط الحقائق التي يستضمرها ، وحصر العلائق التي تجمعه بالمفهوم الأصلي اللاتيني ، وبالمفاهيم العربية القريبة منه. إن هذه المعالجة التركيبية والنسقية لا تسعف فيها المنهاجية الواحدة ، ولا يجدي فيها المجال المعرفي الأوحد ؛ مما اقتضى الأمر توظيف منهاجية تدليلية موسعة ومدمجة (السيميائيات ، وعلم النفس المعرفي ، ونظرية العماء) ، وتوسل الحقيقة باستراتجيات قرائية وتأويلية متعددة ، والانفتاح على تيارات معرفية وعلمية مختلفة. ومن الأمور التي راهن عليها الأستاذ محمد مفتاح ، ضبط المفاهيم بالنحت ( الحقملة والنصنصة ) ، والمقارنة (بين مفهوم النص في الحقل الغربي وبين مثيله في المصادر الإسلامية) ، والتدريج ( تجاوز الثنائيات المختزلة ) ، والتحديد ( على نحو التعاريف التي أعطاها للتطابق ، والتحاذي ، والتداخل..) ، وتجنب الدخيل ( إيجاد مقابلات عربية للاصطلاحات الغربية) ؛ وتبني التحليل النسقي الشمولي ، والتدليل على مسألة الفطريات والجوهرانيات التي تتقاسمها الشعوب بغض النظر عن الجنس والزمكان([11]) ، وتأويل الأعمال البشرية وإبداعاتها بطريقة واقعية. تستدعي هذه الفكرة الأخيرة والمثبتة كعنوان فرعي قراءة فلسفية وابستمولوجية للكتاب . فالمتتبع لمشروع مفتاح يعاين في كل حلقة من حلقاته ثقافته العلمية ، وانفتاحه على مرجعيات جديدة متقاطعة مع المرجعيات المتعامل معها . ارتكز في هذا الكتاب على دليلية برس ، وحاورها لتمثل مفاهيمها الكونية ، وتوسيع مجالها ، وإدخال تعديلات عليها لتكون مسعفة على فهم النص بشمولية ونسقية . وهذا ما يحفز على ضبط مفهوم الواقع عند برس([12])، وتعيين مثيله عند الأستاذ محمد مفتاح ، ثم المقارنة بينهما لبيان كيفية تعامل كل واحد معه ، واستنتاج أوجه التشابه والاختلاف ، وإبراز جدلية الكوني والخصوصي.
2-لقد وصل محمد مفتاح إلى مرحلة النضج النقدي، وهذا ما جعله يبادر إلى اقتراح مجالات بحثية جديدة ( على نحو النقد المعرفي الذي يتكون سداه من مفاهيم مستوحاة من المنطق والرياضيات والسيميائيات والعلوم المعرفية وفلسفة الذهن) وتوليد ونحت عدة مفاهيمية قادرة على وصف المثاقفة من منظور وفلسفة مغايرين، والإلمام بالإواليات التي تتحكم فيها. لقد تعامل محمد مفتاح مع مفهوم الخيال بوصفه خيطا رابطا بين الأمم والثقافات والذهنيات. وهذا ما أفضى به إلى التفكير في الإواليات النفسية التي تقبل أحيانا ما يرد عليها من الثقافات الأجنبية، وتتدخل أحيانا أخرى لتحديد كيفية التعامل معها والاقتراض منها. ولهذا الغرض اقترح محمد مفتاح مفاهيم جديدة سعيا إلى تحقيق ما يلي:
- ضبط الإواليات ( على نحو القولبة والتمثل والتكيف والتحصن والتطرف والمحيطية) التي نقيس بها درجة التفاعل والتثاقف بين الأمم، وإبراز دورها ووظيفتها في كل حقبة على نحو يقلل من غلواء اللاتاريخية التي تقصي مفهومي الزمان والمكان.
- بيان فاعلية المفاهيم وملاءمتها ( على نحو مفهوم الخيال) لضبط إيقاع التفاعل الثقافي بين الأمم، وإقامة مقارنات بينها قصد استنتاج الإنسانيات والفطريات والثوابت من جهة، وإبراز الخصوصيات والفرديات والمتغيرات من جهة ثانية.
-التعامل مع الخيال باعتباره قوة أساسية ( وحيوانية) قابلة للانفعال والتأثر بالمؤثرات الاجتماعية المختلفة. وفي هذا الصدد، استند محمد مفتاح إلى مفهوم ( الميكانزم ومستتبعاته) لتحليل ظاهرة المثاقفة المعقدة ؛ أي بيان كيف تتفاعل الشعوب فيما بينها في منأى عن الطروح الإقصائية والاختزالية. إن تبين سداد الإواليات المعتمدة فإن كثيرا من المفاهيم تحتاج إلى مراجعة جذرية لتجاوزها ( على نحو الكونية المطلقة والفوضى المطلقة والأصالة والمعاصرة والطرح التاريخي المتطرف..) وذلك من أجل فهم الوجود البشري في كل أبعاده الإنسانية والحضارية والإقرار بأحقية كل الحضارات في الوجود والتعايش والتواصل واعتبار التخلف ظاهرة ظرفية وتأريحية ولا طبيعية.
وختاما نؤكد أن كل مؤلف من مؤلفات محمد مفتاح يعتبر حلقة هامة ضمن مشروع فكري مترابط ومتكامل، يبين مدى إفادة صاحبه من التراكمات المعرفية والمستجدات المنهاجية، و إرساء ممارسة نقدية ومعرفية مشيدة على أسئلة ابستمولوجية متينة،و فتح آفاق رحبة للاجتهاد وتجريب مفاهيم جديدة لتبديد الغموض عن بعض الظواهر الثقافية المعيشة، و الكشف عن الثوابت والفطريات الإنسانية الكونية،والبحث المستمر عن اقتراح تصور شامل لدراسة مختلف الظواهر النصية وخاصة الخطاب الشعري الذي كرس له محمد مفتاح جهودا كثيرة ونوع من متونه ومفرداته (أبو القاسم الشابي وأبوالبقاء الرندي وابن عبدون وأدونيس وعلال الفاسي ومحمد السرغيني وأحمد المجاطي و ابن طفيل ومحمد بنيس ورفعت سلام ...) وحلله بطريقة على نحو يتفاعل فيه ما هو داخلي بما هو خارجي بطريقة نسقية ورؤية شاملة مبنية على التناغم والمشاركة والتآخي والتواصل.

 

*************************

المصادر المعتمدة:
محمد مفتاح:
- في سيمياء الشعر العربي القديم،دار الثقافة،ط1 ،1982 تحليل الخطاب الشعري( استراتجية التناص)، المركز القافي العربي بيروت -الدارالبيضاء،ط 1 ،1985.
-دينامية النص[تنظير وإنجاز]، المركز الثقافي العربي بيروت (لبنان) الدار البيضاء(المغرب)،ط1،1987.
-مجهول البيان ،دار توبقال، الدار البيضاء،ط1، 1990.
- التلقي والتأويل مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي،ط1،1994. - التشابه والاختلاف نحو منهاجية شمولية، المركز الثقافي العربي،ط1، 1996.
- المفاهيم معالم نحو تأويل واقعي، المركز الثقافي العربي، ط1، 1999.
-مشكاة المفاهيم النقد المعرفي والمثاقفة، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000.

الهوامش:

[1] - لقد سبق لمحمد مفتاح أن وظف مبدأ التدريج . اقترح مفاهيم مرتبة تدريجيا من الكثرة إلى القلة على القياس والتقريب. أنظر في هذا الصدد إلى التشابه والاختلاف ، المركز الثقافي العربي ، ط1 ، 1996 ،ص44
[2] - خصص محمد مفتاح الفصل الرابع من كتابه التشابه والاختلاف لتحقيب الأدب المغربي بمنهاجية نسقية تفترض تمحوره حول وظيفة الدعوة إلى الاتحاد والجهاد وخدمة المقاصد السياسية ، وتقتضي التعامل معه بوصفه نسقا فرعيا من نسق مجتمعي عام.
[3] --" التحليل السيميائي؛ أبعاده وأدواته" حوارمع الكتور محمد مفتاح، أجراه الأساتذة :عبد الرحمن طنكول،ومحمد العمري ،وحميد لحميداني،دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد 1، خريف 1987،ص20.
[4] - Bernard d'Espagnat Penser la science ou les enjeux du savoir, Dunod,1990.
تبنت الميكانيكا الكوانطيةQuantique ( المناقضة للميكانيكا النيوطنية والنسبوية Newtonienne et relativiste)مفاهيم الانفصال واللانقسام
(non-sèparabilité et non-divisibilité) والانتظام والدينامية.أصبح الآن مفهوم الدائرة الشموليةCercle holisteشائعا في الأدبيات العلمية بخاصة الفيزيائية منها.وهي ترفض أن يكون مرجعها" الواقعي" مكونا من أشياء متباينة،حتى وإن كانت مترابطة فيما بينها بتفاعلات.وهكذا لا تقر إلا بالكون كله.انظر في هذا الصدد إلى الصفحات التالية:123-155-165.
[5] - سالم يفوت ، مفهوم الواقع في الفكر العلمي المعاصر مظاهر النزعة الاختبارية لدى الوضعيين الجدد وستروس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة الأطروحات والرسائل:7،1980،ص117.
[6] -- المرجع نفسه ص94.
[7] --Joël  de Rosny le macroscope vers une version globale,Seuil,1975,P10
[8]- Ibid,P91
[9] - عبد السلام المسدي ، " صياغة المصطلح وأسسها النظرية" ، في : تأسيس القضية الاصطلاحية ، بيت الحكمة ، قرطاج ، 1989 ، ص30
[10] - محمد مفتاح ، المفاهيم معالم نحو تأويل واقعي (20001).
[11] - تبين لمحمد مفتاح من خلال تحليل عينات من المؤلفات الإسلامية على اختلاف مجالاتها وأجناسها ، أن كثيرا من القضايا التي عالجتها ، مازالت حديث الساعة ، ويوجد ما يماثلها في الحضارة الغربية رغم التفاوت الزمني ، وانعدام قنوات التأثير والتأثر. ويبرر محمد مفتاح ذلك بوجود آليات كونية إنسانية وإبداعات فنية فطرية . والفرق بين البشر ليس في الطبيعة ، بل في الدرجة . ويرتهن التقدم أو التأخر بطبيعة المجتمع وعقليته. ورغم توصل العلماء المغاربة إلى حقائق علمية ساطعة ، لم يكن من الممكن تطويرها لحالة المجتمع .
لمزيد من التفصيل ، أنظر إلى التلقي والتأويل مقاربة نسقية ، المركز الثقافي العربي ، ط1 ، 1994.
[12] - يستمد تصور برس للواقع من تأثره بمثالية وظاهرية كانط ، و من نقضه للتصورات النفسانية . ويختزل برس تصوره في النقط التالية :
أ-لا نملك قدرة الاستبطان ، وإنما تتفرع كل معرفة عن العالم من إدراك الوقائع الخارجية بالبرهنة الافتراضية.
ب-لا نملك القدرة على الحدس ، بل إن كل معرفة تتحدد منطقيا بمعارف سابقة.
ج-لا نملك القدرة على التفكير بدون أدلة.
د-لا نملك تصورا عن المجهول المطلق.
أنظر جيرارد دولادال ، ش .س .برس الظاهراتي والسيميائي ، منشورات جون بنجمان ، أمستردام/فيلادفيا ، 1987 ،ص16

 

 

 

 

 

 

 

الكاتب: محمد الداهي بتاريخ: الأحد 06-06-2010 09:28 أ•أˆأ‡أچأ‡  الزوار: 9019    التعليقات: 0

العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
تشييد نظرية شعرية موسعة بمنهاجية ... السيميائيـات محمد الداهي 0 الثلاثاء 01-01-2013
تقديم كتاب " سيميائيات ... السيميائيـات محمد الداهي 0 الجمعة 01-07-2011
أطروحة كريماص حول " تقليعة ... السيميائيـات محمد الداهي 0 الخميس 10-06-2010
تجليات البعد الانفعالي في رواية الحي ... السيميائيـات محمد الداهي 1 الخميس 10-11-2011
ما بعد الاستشراق-د.محمد مفتاح السيميائيـات محمد الداهي 0 الإثنين 07-06-2010